«السيسي.. حارس الإقليم».. كيف أدار الرئيس معركة حماية «الدولة الوطنية» ورفض خريطة الفوضى في المنطقة؟
في منطقة لم تعد تعرف الاستقرار إلا بوصفه استثناءً، وسط حروب تشتعل بلا إنذار، وحدود تتغير تحت ضغط الصراعات، ومشروعات إقليمية تتقاطع فيها المصالح الدولية مع الحسابات المحلية، تبدو مصر اليوم كأنها تقف في المكان الذي لا تستطيع المنطقة الاستغناء عنه.
ليست المسألة مجرد دولة كبيرة تمتلك جيشًا قويًا أو موقعًا جغرافيًا استثنائيًا، وإنما دولة تحاول أن تحول ثقلها السياسي والعسكري والدبلوماسي إلى مظلة تمنع انهيار ما يمكن إنقاذه، وتفتح أبوابًا للحلول حين تغلقها لغة السلاح.
من هنا يمكن فهم التحول الذي طرأ على صورة مصر خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي جعل أحد أهم مرتكزات السياسة المصرية هو الحفاظ على تماسك الدولة الوطنية، ورفض تحويل المنطقة إلى ساحات مفتوحة للفوضى أو تصفية الحسابات.
وفي لحظات الأزمات الكبرى، من غزة إلى ليبيا والسودان، ومن أمن البحر الأحمر إلى أمن الحدود، أصبحت القاهرة طرفًا حاضرًا في المشهد، ليس بحثًا عن نفوذ مجرد، وإنما دفاع عن مصالحها وأمنها القومي، وفي الوقت نفسه محاولة لمنع اتساع دائرة الانهيار.
القوة المصرية في هذا السياق لا تنبع من عامل واحد. فمصر تمتلك موقعًا يجعلها نقطة التقاء بين ثلاث دوائر إستراتيجية: العالم العربي، والبحر المتوسط، والقارة الأفريقية.
كما تتحكم في قناة السويس، أحد أهم شرايين التجارة العالمية، وتمتلك أطول ساحل عربي على البحر المتوسط، وامتدادًا إستراتيجيًا على البحر الأحمر، فضلًا عن حدود مع مناطق تشهد صراعات ممتدة.
ولذلك فإن أي اضطراب كبير في محيطها لا يبقى خارج حدودها، بل يمكن أن يتحول سريعًا إلى تهديد مباشر لأمنها الاقتصادي والسياسي والعسكري.
ولهذا، فإن القاهرة تنظر إلى الأمن الإقليمي باعتباره جزءًا من أمنها الوطني.
ما يحدث في غزة لا يمكن فصله عن أمن سيناء، وما يجري في ليبيا يرتبط مباشرة بأمن الحدود الغربية، وأي اضطراب واسع في السودان ينعكس على الحدود الجنوبية وعلى ملفي الأمن والهجرة والمياه، بينما يمثل استقرار البحر الأحمر قضية ترتبط مباشرة بالتجارة الدولية والاقتصاد المصري.
هذه المعادلة تفسر لماذا تحولت مصر في كثير من الأزمات إلى مساحة للحوار، وإلى طرف قادر على التواصل مع أطراف متناقضة في الوقت نفسه.
فالدبلوماسية المصرية حافظت تاريخيًا على قنوات اتصال واسعة، وهو أمر منح القاهرة قدرة على لعب أدوار الوساطة عندما تتعقد الصراعات.
وفي القضية الفلسطينية تحديدًا، ظل الدور المصري حاضرًا بقوة في محاولات وقف إطلاق النار، وتبادل الأسرى والمحتجزين، وإدخال المساعدات، والبحث عن مسارات سياسية تمنع تحول الحرب إلى صراع إقليمي مفتوح.
وهنا تظهر إحدى أهم نقاط القوة في الدور المصري: القاهرة لا تتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها ملفًا خارجيًا عابرًا، وإنما باعتبارها قضية ترتبط بالأمن القومي المصري وباستقرار المنطقة بأكملها.
ولذلك فإن الموقف المصري من تهجير الفلسطينيين من أرضهم لم يكن مجرد موقف سياسي، وإنما تعبير عن رؤية ترى أن تصفية القضية الفلسطينية عبر التهجير لن تنهي الصراع، بل ستنقله إلى مرحلة أكثر خطورة.
وفي المقابل، فإن الحفاظ على الدولة الوطنية أصبح عنوانًا رئيسيًا في السياسة المصرية تجاه الأزمات العربية.
تجربة العقد الماضي تركت لدى القاهرة قناعة واضحة بأن انهيار مؤسسات الدولة يفتح الباب أمام التنظيمات المسلحة، والميليشيات، والتدخلات الخارجية، وتفكك المجتمعات.
ولهذا تدفع مصر في ملفات عدة باتجاه حلول تحافظ على وحدة الدول ومؤسساتها، بدلًا من تحويلها إلى كيانات متناحرة.
في ليبيا، على سبيل المثال، يرتبط الموقف المصري بضرورة وجود دولة ليبية موحدة ومؤسسات وطنية قادرة على حماية الحدود ومحاربة الإرهاب.
وفي السودان، تضع القاهرة استقرار الدولة السودانية ووحدة أراضيها في مقدمة حساباتها، لأن انهيار السودان لن يكون مأساة إنسانية وسياسية فحسب، بل سيخلق موجة جديدة من عدم الاستقرار على حدود مصر الجنوبية.
أما في البحر الأحمر، فقد فرضت التطورات الإقليمية واقعًا جديدًا يجعل حماية الملاحة الدولية أكثر أهمية من أي وقت مضى. ومصر، بحكم ارتباط اقتصادها بقناة السويس وحركة التجارة العالمية، ليست مراقبًا بعيدًا لما يحدث هناك، وإنما طرف يتأثر مباشرة بأي اضطراب في حركة السفن أو ارتفاع مستوى المخاطر الأمنية.
لكن الحديث عن مصر بوصفها “درع أمان” للمنطقة لا يعني أن القاهرة تمتلك قدرة سحرية على إنهاء جميع الصراعات.
فالأزمات الإقليمية أعقد من أن تحسمها دولة واحدة، كما أن مصر نفسها تواجه تحديات اقتصادية وأمنية كبيرة.
إلا أن الفكرة الأساسية تكمن في أن وجود دولة مركزية بحجم مصر، تمتلك مؤسسات عسكرية وأمنية ودبلوماسية راسخة، يمثل عنصر توازن في إقليم شديد السيولة.
وهنا يأتي دور الرئيس عبد الفتاح السيسي في صياغة هذه الرؤية.
فمنذ وصوله إلى الحكم، ركز الخطاب السياسي المصري على مفهوم الدولة القوية، وعلى بناء مؤسسات قادرة على مواجهة الضغوط، وعلى تحديث القدرات العسكرية، وتنويع علاقات مصر الدولية، بما يمنحها هامشًا أوسع من الحركة في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
التحديث العسكري المصري لم يكن منفصلًا عن التطورات المحيطة.
فمصر تتحرك في منطقة شهدت خلال السنوات الماضية انهيار جيوش في بعض الدول، وصعود جماعات مسلحة، وانتشارًا غير مسبوق للطائرات المسيرة والصواريخ والأسلحة المتطورة.
وفي مثل هذه البيئة، تصبح حماية الحدود والمجال البحري والجوي ضرورة لا تحتمل التأجيل.
لكن القوة العسكرية وحدها لا تصنع الدور الإقليمي.
ما يمنح مصر وزنها الحقيقي هو الجمع بين القوة الصلبة والقوة السياسية.
تستطيع القاهرة أن تتحرك دبلوماسيًا لأنها تمتلك ثقلًا جغرافيًا وسكانيًا وعسكريًا، وفي الوقت نفسه تستطيع استخدام علاقاتها الدولية المتنوعة لفتح مسارات اتصال بين أطراف لا تتحدث مع بعضها مباشرة.
هذه القدرة على الجمع بين الأدوات هي التي جعلت القاهرة حاضرة في ملفات شديدة الحساسية.
فمصر دولة عربية محورية، لكنها في الوقت نفسه تمتلك علاقات إستراتيجية مع الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا والصين، وتتعامل مع دول الخليج وتركيا وإيران وإسرائيل وأفريقيا وفق حسابات متعددة، ما يسمح لها بالحفاظ على مساحة للمناورة السياسية.
ومن زاوية أخرى، فإن مفهوم “الأمان” لا يقتصر على منع الحروب.
الأمن الإقليمي يحتاج إلى اقتصاد قادر على الصمود، وبنية تحتية قوية، وممرات تجارية آمنة، وطاقة مستقرة، ومجتمعات قادرة على مواجهة الضغوط.
ولهذا ارتبطت السياسة المصرية خلال السنوات الأخيرة بمشروعات واسعة في النقل والطاقة والموانئ واللوجستيات، بهدف تعزيز قدرة الدولة على الصمود أمام المتغيرات.
قناة السويس تمثل مثالًا واضحًا على ذلك.
فالممر الملاحي ليس مجرد مصدر للإيرادات، وإنما ورقة إستراتيجية تمنح مصر أهمية عالمية.
وأي اضطراب في المنطقة ينعكس على حركة التجارة عبر القناة، وهو ما يجعل استقرار مصر مصلحة لا تخص المصريين وحدهم، بل ترتبط بمصالح اقتصادات كبرى حول العالم.
وفي الوقت نفسه، فإن مصر تتحرك داخل القارة الأفريقية باعتبارها جزءًا أساسيًا من دوائر أمنها القومي.
فملفات المياه، والحدود، والهجرة، والإرهاب، والتنمية، والتجارة، تجعل العلاقات المصرية- الأفريقية جزءًا من معادلة الأمن الإقليمي الأوسع.
كل ذلك يقود إلى نتيجة مهمة: مصر لا تحاول أن تكون “شرطي المنطقة”، ولا تستطيع أن تتحمل منفردة أعباء جميع أزماتها، لكنها تحاول أن تكون دولة توازن في منطقة فقدت كثيرًا من آليات التوازن.
وهذا الفارق مهم؛ لأن الدور المصري لا يقوم على فرض إرادة بالقوة، وإنما على امتلاك عناصر تجعل تجاهل القاهرة في الأزمات الكبرى أمرًا صعبًا.
وفي هذا السياق، فإن مقولة “من أراد النجاة فليطلبها من مصر” يمكن فهمها باعتبارها تعبيرًا عن حقيقة سياسية أكثر منها شعارًا.
فعندما تتعرض المنطقة لهزة كبيرة، يبحث الأطراف عن دولة تستطيع الحديث مع الجميع، وتمتلك حدودًا وقدرات ومؤسسات تجعلها قادرة على التحرك، وتملك في الوقت نفسه خبرة تاريخية في التعامل مع الصراعات.
غير أن استمرار هذا الدور يتطلب من مصر الحفاظ على توازن دقيق. فالقوة الإقليمية لا تُقاس فقط بحجم الجيش أو عدد العلاقات الدولية، وإنما بقدرة الدولة على حماية مصالحها دون الانجرار إلى صراعات مفتوحة، وعلى تقديم نفسها كطرف قادر على الحل لا كجزء من المشكلة.
ومن هنا تأتي أهمية الرؤية التي يتبناها السيسي في التعامل مع أزمات المنطقة: حماية الدولة المصرية أولًا، وتثبيت مؤسساتها، وتطوير قدراتها، مع الإبقاء على المجال مفتوحًا أمام الدبلوماسية.
فالقوة التي لا تسندها مؤسسات مستقرة تتحول إلى عبء، والدبلوماسية التي لا تستند إلى قوة تصبح محدودة التأثير.
لقد تغيرت المنطقة بصورة جذرية خلال السنوات الماضية، ولم يعد من الممكن التعامل مع الأمن القومي بالمعنى التقليدي الضيق.
الحدود أصبحت متداخلة مع الأمن الاقتصادي، والأمن الغذائي مرتبط بالمياه، والممرات البحرية مرتبطة بالأسواق العالمية، والحرب في دولة واحدة يمكن أن تنتج موجات هجرة وإرهابا وتهريبا تمتد إلى دول بعيدة.
وفي قلب هذه المعادلة تقف مصر، بثقلها التاريخي والجغرافي والبشري والعسكري.
وقد يكون أكبر اختبار أمام القاهرة في السنوات المقبلة هو قدرتها على تحويل هذا الثقل إلى نفوذ إيجابي ومستدام، يحمي مصالحها ويمنع انتقال أزمات الجوار إلى داخلها، ويسهم في الوقت نفسه في إعادة بناء نظام إقليمي أكثر استقرارًا.
لهذا، فإن صورة مصر كـ”درع أمان” لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها انتصارًا دعائيًا، بل باعتبارها مسؤولية ثقيلة.
فكلما زاد اعتماد المنطقة على القاهرة في لحظات الخطر، زادت تكلفة أي خطأ في الحسابات.
وكلما اتسعت دائرة الأزمات، احتاجت مصر إلى اقتصاد أكثر قوة، ومؤسسات أكثر كفاءة، وقدرات دفاعية متطورة، ودبلوماسية أكثر مرونة.
وفي النهاية، قد لا تملك مصر وحدها مفاتيح إنهاء أزمات المنطقة، لكنها تملك شيئًا لا يمكن تعويضه بسهولة: القدرة على البقاء ثابتة عندما يهتز الإقليم من حولها.
وهذه ربما هي القيمة الأكبر لدولة بحجم مصر؛ أن تكون نقطة ارتكاز حين تتغير الخرائط، وصوتًا للحوار عندما يتقدم صوت المدافع، وقوة ردع عندما يقترب الخطر من حدودها.
ومن هنا يمكن فهم فلسفة الدور المصري في عهد السيسي: ليست مصر مطالبة بأن تحمل المنطقة على كتفيها، لكنها مطالبة أولًا بألا تسمح بسقوطها هي، لأن استقرارها يمثل في حد ذاته أحد أهم عناصر استقرار محيطها.
وفي منطقة تبحث عن مخارج من أزماتها المتلاحقة، تظل القاهرة واحدة من أكثر العواصم التي يصعب تجاوزها، وأحد أهم مفاتيح أي محاولة جادة لإعادة بناء الأمن والاستقرار الإقليمي.

- الرئيس عبد الفتاح السيسي
- النار
- بدون القاهرة طوفان
- السيسي حارس الإقليم
- مساعدات
- مركز
- منطقة
- القدرات
- محور
- الحرب
- ساحات
- طالبة
- قرار
- ملفات
- حكم
- راب
- العلاقات
- الدول
- استقرار
- ملك
- المصري
- قناة السويس
- محمود الشويخ يكتب
- غزة
- الموانئ
- سلاح
- اليوم
- الحدود
- قناة
- غلق
- محمود الشويخ
- اقتصاد
- الهجرة
- متنوعة
- سقوط
- منع
- اول
- مشروع
- تعرف
- الاقتصاد
- العالم
- قنا
- النقل
- مقالات محمود الشويخ
- يوم
- ليبيا
- السيسي
- درة
- تنقل
- في قنا
- حماية
- طالب
- التجارة
- ادا
- انهيار
- نقل
- داخل
- السويس
- حركة
- رئيس
- مطالب
- انقاذ
- البحث
- كرة
- القاهرة
- عامل
- السودان
- مصر



