السوشيال ميديا تصنع نجوما من العدم
- الكومبارسات واللاهثون وراء الفن يخترعون الترندات ويبيعون الوهم بحثا عن النجومية
- المشاهدات واللايكات تصنع نجوم مجتمع من البلوجرز وعديمي الموهبة
- قواعد الشهرة تغيرت.. الموهبة تتراجع أمام سطوة الترند
- كارثة الشهرة السريعة.. أضواء بلا موهبة ونجومية غير مستحقة
المتابع جيدا للمشهد الفني يعلم أن هناك أشياء كثيرة تغيرت في عالم الفن خلال السنوات الأخيرة، لكن ربما كان أكثرها تأثيرا ذلك التحول الهادئ الذي نقل صناعة النجومية من الشاشات والصحف والمسارح إلى شاشة الهاتف الصغيرة، فلم يعد الفنان ينتظر عرض فيلم أو مسلسل أو طرح أغنية جديدة حتى يعرف الجمهور اسمه، ولم تعد الشهرة تحتاج دائما إلى سنوات طويلة من العمل والمراكمة، فقد يكفي مقطع قصير، أو صورة لافتة، أو موقف عابر حتى يجد شخص ما نفسه في قلب المشهد، محاطا بآلاف التعليقات والمشاركات، وكأنه نجم خرج من العدم.
لا أنكر أن السوشيال ميديا منحت الفن مساحة واسعة للوصول إلى الجمهور، وكسرت كثيرا من الحواجز التي كانت تفصل الفنان عن جمهوره، وأتاحت لمواهب شابة لم تكن تجد طريقا سهلا إلى شركات الإنتاج أو شاشات التلفزيون أن تقدم نفسها مباشرة إلى الناس، وهذه في حد ذاتها ميزة لا يمكن إنكارها، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول وسيلة الانتشار إلى معيار للقيمة، وعندما يصبح عدد المشاهدات أكثر أهمية من جودة العمل، وعدد المتابعين أكثر إثارة للاهتمام من حجم الموهبة، وعندما يجد الفنان نفسه مطالبا بأن يكون حاضرا أمام الكاميرا طوال الوقت، حتى في اللحظات التي لا يقدم فيها أي عمل فني.
أعتقد أن السؤال الحقيقي لم يعد: هل صنعت السوشيال ميديا جيلا جديدا من النجوم؟ فهذا حدث بالفعل، وإنما السؤال الأصعب هو، هل أصبحت السوشيال ميديا تصنع الفنان نفسه وتحدد شكله وطريقة حضوره وحتى طبيعة علاقته بجمهوره، ففي زمن مضى، كان الفنان يستطيع أن يختفي لفترة، ثم يعود بعمل جديد، وكان هذا الغياب في حد ذاته جزءا من هيبته، بل إن بعض النجوم كانوا يفضلون أن تظل حياتهم الخاصة بعيدة عن الأضواء، لأن ما يهم الجمهور هو ما يقدمونه على الشاشة أو المسرح أما اليوم فقد تغيرت القاعدة تماما، الفنان مطالب بأن يكون موجودا حتى عندما لا يكون لديه عمل، عليه أن ينشر، ويتفاعل، ويظهر، ويعلق، ويشارك تفاصيل حياته، ويواكب المناسبات، ويقدم صورا وفيديوهات، ويتعامل مع جمهوره بشكل يومي، وكأن الغياب أصبح خطرا، وكأن النجومية تحتاج إلى جرعة مستمرة من الظهور حتى لا ينسى الجمهور صاحبها.
وهنا أجد نفسي أمام مفارقة واضحة، السوشيال ميديا أعطت الفنان حرية أكبر في التواصل مع الجمهور، لكنها في الوقت نفسه سلبته جزءا من حقه في الاختفاء، وأصبح الفنان الذي يختار الصمت أو الابتعاد مطالبا دائما بتفسير غيابه، بينما يتحول الفنان شديد الحضور إلى مادة مستمرة للنقاش والمتابعة، وهكذا لم يعد الفنان مطالبا بأن يكون موهوبا فقط، بل أصبح مطالبا أيضا بأن يكون شخصية جذابة على الإنترنت، وأن يعرف كيف يقدم نفسه، وكيف يصنع صورته، وكيف يحافظ على تفاعل الجمهور معه.
وربما يكون هذا هو التحول الأكثر وضوحا في المشهد الحالي، فقد تداخلت الحدود بين الفنان والمؤثر إلى درجة أصبح من الصعب أحيانا معرفة أيهما يقود الآخر، الفنان يملك جمهورا، والمؤثر يملك جمهورا، وكلاهما يعتمد على الحضور الرقمي، لكن الفارق أن الفنان في الأساس يجب أن تكون قيمته مرتبطة بعمله، بينما تقوم شهرة المؤثر في جانب كبير منها على قدرته على صناعة المحتوى والحفاظ على تفاعل الجمهور، والمشكلة تظهر عندما يصبح الفنان مطالبا بالقيام بالدورين معا، فيتحول حسابه الشخصي إلى مسرح دائم، وتتحول حياته اليومية إلى مادة للعرض، وتصبح إطلالته، وسفره، وأصدقاؤه، وطريقة حديثه، وحتى خلافاته، جزءا من المنتج الذي يقدمه للجمهور.
وهنا أخشى أن يصبح الفنان مشغولا بصناعة صورته أكثر من انشغاله بصناعة فنه، لأن بناء الصورة الرقمية أسرع وأسهل أحيانا من بناء تجربة فنية حقيقية تحتاج إلى وقت وموهبة وصبر، فالترند بطبيعته سريع، وهذه هي قوته وخطورته في الوقت نفسه، فهو قادر على رفع اسم شخص في ساعات قليلة، لكنه قادر أيضا على استبداله بشخص آخر في الساعات نفسها، وهذا ما جعل مفهوم النجومية نفسه أكثر هشاشة، فالنجم الذي كان يحتاج سنوات حتى يصل إلى القمة أصبح يستطيع الوصول إليها بسرعة، لكن السؤال الذي يجب أن نسأله دائما هو: هل يستطيع أن يبقى هناك؟!
وللحق أنا لا أؤمن بأن كل من تصدر الترند أصبح نجما بالمعنى الحقيقي للكلمة، فالترند قد يصنع لحظة، لكنه لا يصنع بالضرورة تاريخا، وقد يمنح شخصا ملايين المشاهدات، لكنه لا يمنحه تلقائيا القدرة على تقديم عمل يعيش بعد انتهاء الضجة، فهناك فرق كبير بين أن يعرف الناس اسمك، وبين أن يعرفوا لماذا يحبونك، وفرق أكبر بين أن يتابع الناس ما تقدمه، وبين أن ينتظروا عملك القادم، وهنا تظهر قيمة الفنان الحقيقي، لأن الموهبة لا تحتاج إلى أن تكون في الترند كل يوم، وإنما تحتاج إلى أن تكون حاضرة عندما يأتي وقت الاختبار الحقيقي.
والمشكلة الأخرى أن الفنان الجديد أصبح يعيش تحت ضغط لا يشبه الضغوط التي عرفتها أجيال سابقة، فهو لا يخشى فقط فشل عمله، وإنما يخشى أيضا انخفاض التفاعل، وتراجع المشاهدات، واختفاء اسمه من قوائم الأكثر بحثا، وانتقال الجمهور إلى اسم آخر، وهذا يخلق حالة من القلق المستمر، تجعل بعض الفنانين يشعرون بأن عليهم تقديم شيء جديد طوال الوقت، حتى لو لم يكن لديهم ما يستحق التقديم.
ومن وجهة نظري، هذه واحدة من أخطر نتائج عصر السوشيال ميديا، لأن الفنان قد يبدأ مطاردة الجمهور بدلا من أن يقود ذائقته، وقد يصبح أسيرا لما يريده المتابعون في اللحظة الراهنة، بينما الفن الحقيقي في أحيان كثيرة يحتاج إلى أن يسبق الجمهور، لا أن يركض خلفه، الفن لا يمكن أن يكون استفتاء يوميا، والموهبة لا يمكن قياسها بعدد الإعجابات، والعمل الجيد لا يصبح عظيما فقط لأنه حصد ملايين المشاهدات.
ولا يمكن تحميل الفنان وحده مسؤولية هذا التحول، فالجمهور أصبح شريكا أساسيا في صناعة النجومية الجديدة، نحن الذين نمنح المحتوى مشاهدات، ونحن الذين نرفع شخصا إلى صدارة المنصات، ونحن الذين نعيد نشر الصور والفيديوهات، ونحن الذين نحول موقفا صغيرا إلى قضية عامة، ولذلك فإن صناعة الترند ليست مسؤولية المنصات أو الفنانين فقط، وإنما هي أيضا انعكاس لذوق الجمهور وما يختار أن يمنحه اهتمامه، وإذا كنا نمنح الاهتمام الأكبر للخلافات، والإطلالات، والتصريحات المثيرة، فلا يجب أن نتفاجأ عندما يصبح بعض النجوم أكثر اهتماما بهذه الأشياء من أعمالهم، وفي المقابل، عندما نحتفي بالعمل الجيد، ونناقش الأداء، والكتابة، والإخراج، والموسيقى، فإننا نرسل رسالة واضحة إلى صناعة الفن بأن الموهبة لا تزال هي الطريق الأكثر أمانا للبقاء، والسؤال: هل نحتاج إلى فنان يعيش أمام الكاميرا طوال الوقت؟ أنا شخصيا لا أعتقد ذلك، بل أرى أن جزءا من قيمة الفنان أن يحتفظ بمساحة خاصة لا يعرفها الجمهور، وأن يظل هناك شيء لا يراه الناس، لأن الغموض أحيانا يمنح النجومية قيمة، بينما الإفراط في الكشف قد يحول الفنان مع الوقت إلى شخص عادي نعرف عنه كل شيء. إن الفنان ليس مطالبا بأن يصور كل لحظة، ولا أن يشرح كل موقف، ولا أن يرد على كل تعليق، ولا أن يدخل في كل معركة رقمية، بل ربما يكون أكثر ما يحتاجه الفنان اليوم هو أن يعرف متى يظهر، ومتى يصمت، ومتى يتحدث، ومتى يترك عمله يتحدث عنه، فالنجومية ليست في كثرة الظهور، وإنما في قيمة الحضور.
إنني لا أرى السوشيال ميديا عدوا للفن، ولا أعتقد أن العودة إلى زمن ما قبلها ممكنة أو حتى مطلوبة، فقد أصبحت جزءا أصيلا من حياتنا ومن صناعة الإعلام والفن، ومنحت الجمهور قربا لم يكن متاحا من قبل، وفتحت أبوابا واسعة أمام مواهب كثيرة، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المنصة إلى غاية، وعندما يصبح الترند بديلا عن الموهبة، وعندما يشعر الفنان بأنه مطالب بأن يعيش أمام الكاميرا حتى يحافظ على وجوده، السوشيال ميديا تستطيع أن تمنح الفنان لحظة، لكنها لا تستطيع أن تمنحه عمرا، تستطيع أن ترفع اسمه، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنحه مكانة، وتستطيع أن تصنع حوله ضجة هائلة، لكنها لا تستطيع أن تضمن أن يبقى الناس يتذكرونه بعد أن تنتهي الضجة، لذلك أظن أن التحدي الحقيقي أمام الفنان في هذا العصر ليس أن يصبح أكثر ظهورا، وإنما أن يصبح أكثر قدرة على الفصل بين الشهرة والفن، وبين التفاعل والقيمة، وبين الترند والنجومية الحقيقية، فاللايك قد يصنع شهرة، والترند قد يصنع لحظة، لكن الفن وحده هو القادر على صناعة البقاء.




