عاصم سليمان يكتب: حين يتحدث الكبار.. تنتصر الإنسانية قبل السياسة
- اتصال الرئيس السيسي بالرئيس ماكرون يجسد دبلوماسية إنسانية تسبق الحسابات السياسية ويؤكد عمق الشراكة المصرية- الفرنسية
- الرئيس السيسي يبعث برسالة تضامن إلى فرنسا ويؤكد استعداد مصر لتقديم كل أشكال الدعم
- القاهرة وباريس تتفقان على مواصلة التنسيق السياسي ودعم الحلول السلمية لأزمات الشرق الأوسط
هناك مواقف لا تقاس بحسابات السياسة وحدها، بل بما تحمله من قيم إنسانية ورسائل أخلاقية، وهذا ما جسده اتصال السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بعد الحرائق التي اجتاحت عددا من المناطق الفرنسية، وخلفت ضحايا ومصابين وخسائر مؤلمة، فقبل أن يكون الاتصال حديثا عن ملفات إقليمية معقدة، كان رسالة تضامن صادقة تؤكد أن مصر لا تنظر إلى العلاقات الدولية بمنطق المصالح فقط، وإنما بمنطق الإنسانية أيضا.
لطالما آمنت بأن قوة الدول لا تظهر فقط في اقتصادها أو جيشها أو نفوذها السياسي، وإنما في قدرتها على الوقوف إلى جانب أصدقائها وقت الشدة، وهذا ما فعله الرئيس السيسي، عندما بادر بتقديم التعازي للرئيس ماكرون في ضحايا الحرائق، وتمنى الشفاء للمصابين، وأكد استعداد مصر لتقديم كل أشكال الدعم الممكن، في رسالة تحمل الكثير من المعاني، وتؤكد أن العلاقات المصرية - الفرنسية تجاوزت منذ سنوات طويلة مرحلة المجاملات الدبلوماسية، وأصبحت شراكة حقيقية تقوم على الثقة والاحترام المتبادل.
وما يلفت الانتباه أيضا أن هذا الاتصال لم يكن مجرد تعبير عن التضامن، بل حمل قدرا كبيرا من الثقة، عندما أكد الرئيس السيسي ثقته الكاملة في قدرة فرنسا على تجاوز هذه الأزمة، وهي رسالة تمنح دعما معنويا لا يقل أهمية عن أي دعم آخر، لأن الشعوب في أوقات المحن تحتاج إلى من يؤمن بقدرتها على النهوض، كما تحتاج إلى من يمد لها يد العون.
ولم يكن غريبا أن يقابل الرئيس ماكرون هذا الموقف بتقدير واضح، وأن يؤكد أن المساندة المصرية تعكس عمق العلاقات بين البلدين، وهو اعتراف مهم بقيمة الدور المصري، وبالمكانة التي أصبحت تتمتع بها القاهرة لدى واحدة من أكبر القوى الأوروبية، وهي مكانة لم تأت من فراغ، وإنما جاءت نتيجة سياسة خارجية متوازنة، تقوم على الاحترام المتبادل، والحوار، والالتزام بالشراكات الإستراتيجية.
لكن ما يمنح هذا الاتصال أهمية أكبر، أنه لم يتوقف عند الجانب الإنساني، وإنما امتد إلى مناقشة أخطر القضايا التي تشغل المنطقة، من تطورات الحرب مع إيران، إلى الأوضاع في لبنان وليبيا والأرض الفلسطينية المحتلة، وهي ملفات تؤكد أن القاهرة وباريس تدركان أن استقرار الشرق الأوسط لم يعد شأنا إقليميا فقط، بل أصبح قضية دولية تمس أمن العالم كله.
وفي تقديري، فإن أكثر ما يميز الموقف المصري هو ثبات رؤيته، فمصر لا تغير مواقفها بتغير الظروف، بل تكرر دائما الرسالة نفسها، لا بديل عن الحلول السلمية، ولا مستقبل للصراعات المفتوحة، ولا استقرار إلا بالحوار، وهي المبادئ التي أكدها الرئيس السيسي خلال الاتصال، عندما شدد مع الرئيس الفرنسي على ضرورة تسوية النزاعات عبر الوسائل السلمية، حفاظا على الأمن والاستقرار الإقليمي.
كما أن الاتفاق على استمرار التشاور والتنسيق السياسي بين القاهرة وباريس، يعكس إدراكا مشتركا بأن المرحلة الحالية تحتاج إلى تواصل دائم بين الدول المؤثرة، لأن سرعة الأحداث وتعقيد الأزمات تفرض قدرا أكبر من التنسيق، وتستلزم وجود شركاء قادرين على العمل معا من أجل تجنب مزيد من التصعيد.
ومن الجوانب التي تستحق التوقف أيضا، حرص الرئيس ماكرون على الاستفسار عن الحادث الذي تعرضت له سفينتان في ميناء دمياط، وإعلانه تضامن فرنسا مع مصر حكومة وشعبا، وهو موقف يؤكد أن العلاقات بين البلدين أصبحت قائمة على الاهتمام المتبادل، وأن الدعم لم يعد يسير في اتجاه واحد، وإنما أصبح يعبر عن شراكة متكاملة يشعر فيها كل طرف بمسؤولية تجاه الآخر.
إن العلاقات المصرية- الفرنسية خلال السنوات الأخيرة أصبحت نموذجا لعلاقة متوازنة، تجمع بين التعاون السياسي والاقتصادي والثقافي والعسكري، وتقوم على احترام خصوصية كل دولة، مع وجود توافق واسع في كثير من الملفات الدولية والإقليمية، وهو ما منح هذه العلاقة قوة واستمرارية، وجعلها واحدة من أهم الشراكات التي تعتمد عليها مصر في أوروبا.
وأرى أن الاتصال الأخير بين الرئيس السيسي والرئيس ماكرون يحمل رسالة تتجاوز تفاصيله المباشرة، فالعلاقات الحقيقية لا تختبر في أوقات الهدوء، وإنما تظهر قيمتها في لحظات الأزمات، وعندما تبادر دولة إلى مساندة دولة أخرى دون انتظار مقابل، فإنها تؤسس لجسور من الثقة يصعب أن تهدمها تقلبات السياسة.
ولا يمكن قراءة هذا الاتصال بمعزل عن النهج الذي تتبعه الدولة المصرية في سياستها الخارجية خلال السنوات الأخيرة، وهو نهج يقوم على بناء جسور الثقة مع مختلف الشركاء، والتمسك بلغة الحوار حتى في أصعب الظروف، فمن يتابع التحركات المصرية يدرك أن القاهرة لم تتخل يوما عن دورها كدولة تسعى إلى تقريب وجهات النظر، وإطفاء بؤر التوتر، والدفع نحو الحلول السياسية، بعيدا عن منطق الاستقطاب أو تأجيج الصراعات، ولهذا أصبحت مصر طرفا يحظى بالاحترام والتقدير لدى القوى الدولية الكبرى، ليس لأنها تمتلك ثقلا تاريخيا فقط، وإنما لأنها تقدم نموذجا لدولة تتحرك بعقلانية، وتضع استقرار المنطقة في مقدمة أولوياتها، وهو ما يمنح رسائلها مصداقية، ويجعل صوتها مسموعا في مختلف المحافل الدولية.
كما أن العلاقات المصرية- الفرنسية أثبتت مع مرور الوقت أنها لم تعد ترتبط بملف واحد أو بمصلحة عابرة، وإنما أصبحت شراكة شاملة تقوم على رؤية مشتركة تجاه كثير من القضايا، بداية من دعم الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، مرورا بالتعاون الاقتصادي والاستثماري، ووصولا إلى التنسيق في الملفات الدولية ذات الاهتمام المشترك، ولذلك فإن أي تواصل بين الرئيس السيسي والرئيس ماكرون يحمل دائما دلالات تتجاوز إطار البروتوكول الدبلوماسي، لأنه يعكس وجود قنوات اتصال مفتوحة بين قيادتين تدركان حجم التحديات التي يمر بها العالم، وتؤمنان بأن الحوار والتنسيق المستمر هما السبيل الأمثل لحماية المصالح المشتركة، وصون الأمن الإقليمي، وتعزيز فرص السلام في منطقة لا تزال تواجه أزمات متلاحقة تتطلب قدرا كبيرا من الحكمة والمسؤولية.
ويبقى هذا الاتصال دليلا جديدا على أن مصر تتحرك بثقة ومسؤولية على الساحة الدولية، وأن الرئيس عبد الفتاح السيسي يحرص على أن تكون الدبلوماسية المصرية حاضرة في كل المواقف، حاملة رسائل السلام والتضامن والتعاون، وهي سياسة عززت مكانة الدولة المصرية، ورسخت صورتها كشريك موثوق، يؤمن بأن الإنسانية تظل دائما اللغة التي يفهمها الجميع، مهما اختلفت المصالح وتعددت التحديات.

- مصر
- ماكرون
- السيسي
- الرئيس السيسي
- اقتصاد
- درة
- الاقتصاد
- العالم
- لبنان
- الاستثمار
- الاتصال
- باريس
- عون
- العلاقات
- الرئيس عبد الفتاح السيسي
- القاهرة
- فرنسا
- امن
- استقرار
- خسائر
- الاتفاق
- المرحلة
- ملفات
- حكم
- الحرائق
- المصري
- الشرق الأوسط
- قرار
- قائمة
- الدول
- حرائق
- حملة
- منطقة
- ضحايا
- حادث
- التزام
- الحرب
- رئيس
- عاصم سليمان
- عاصم سليمان يكتب



