«مصر تُغلق أبواب الموت في البحر».. كيف صنعت الدولة نموذجًا عالميًا لمواجهة الهجرة غير الشرعية؟

خالد الطوخى - صورة
خالد الطوخى - صورة أرشيفية

- مصر نجحت في تحويل مواجهة ظاهرة الهجرة غير الشرعية من ملف أمني إلى مشروع وطني يجمع بين التنمية والتوعية وحماية الشباب.

- عشر سنوات بلا مركب هجرة غير شرعية من السواحل المصرية.. قصة نجاح مصرية أثبتت أن معالجة الأسباب أهم من مطاردة النتائج.

- مصر تقدم نموذجًا عالميًا لمكافحة الهجرة غير الشرعية.. تشريعات حاسمة وتنمية شاملة وإنقاذ آلاف الشباب من الوقوع في فخ المهربين.

- من السواحل إلى القرى الأكثر تصديرًا للهجرة.. كيف ساهمت التنمية والمشروعات القومية في تجفيف منابع الهجرة غير الشرعية؟

- بين حماية الحدود وصون الكرامة الإنسانية.. المعادلة المصرية التي أوقفت الهجرة غير الشرعية واستوعبت ملايين الوافدين من دول الأزمات.

حين أعلن السفير عمرو رمضان، رئيس اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة ومنع الهجرة غير الشرعية والإتجار بالبشر، أن السواحل المصرية لم تشهد خروج مركب واحد للهجرة غير الشرعية منذ عام 2016، فإنه لم يكن يتحدث عن إنجاز أمني عابر، أو يقدم رقمًا للاستهلاك الإعلامي، وإنما كان يكشف أمام المجتمع الدولي عن واحدة من أهم التجارب المصرية الناجحة في مواجهة أزمة إنسانية عالمية شديدة التعقيد.

فالهجرة غير الشرعية ليست مجرد قوارب تخرج في الظلام، ولا مجموعات من الشباب تحاول عبور البحر بحثًا عن فرصة مجهولة، وإنما هي النتيجة الأخيرة لسلسلة طويلة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

وراء كل مركب حكايات من الفقر والبطالة واليأس، ووراء كل رحلة غير شرعية أسرة وضعت كل ما تملكه في يد مهرب، وشاب أقنع نفسه بأن احتمالات الموت في البحر قد تكون أرحم من البقاء دون فرصة أو مستقبل.

من هنا تتضح قيمة التجربة المصرية، لأنها لم تتعامل مع الظاهرة باعتبارها مشكلة حدود أو سواحل فقط، لكنها تعاملت معها باعتبارها قضية دولة ومجتمع وإنسان.

لم يكن الحل مجرد مطاردة المهربين أو تشديد الرقابة على الشواطئ، رغم أهمية ذلك، وإنما قامت الرؤية المصرية على معالجة القضية من جذورها، وتجفيف منابعها، ومواجهة شبكات الإتجار بالبشر، وفي الوقت نفسه توفير البدائل التنموية والتوعوية للشباب والأسر في المناطق الأكثر عرضة لهذه الظاهرة.

وأعتقد أن الرقم الذي أعلنه السفير عمرو رمضان يحتاج إلى وقفة طويلة. فمنذ عام 2016 لم ينطلق مركب هجرة غير شرعية من السواحل المصرية.

نحن نتحدث عن عشر سنوات تقريبًا من السيطرة المستمرة على واحد من أخطر الملفات العابرة للحدود، في وقت شهدت فيه المنطقة المحيطة بمصر حروبًا واضطرابات وانهيارًا في مؤسسات بعض الدول، وتزايدًا غير مسبوق في أعداد النازحين والباحثين عن الهجرة.

هذا النجاح لم يتحقق بالمصادفة، ولم يكن نتيجة قرار مؤقت أو حملة محدودة، لكنه جاء نتيجة إرادة سياسية واضحة، وتشريعات حاسمة، وتنسيق بين مؤسسات الدولة، وتحركات أمنية وتنموية، وحملات توعية استهدفت المواطن قبل أن يقع فريسة في أيدي سماسرة الموت.

وكان من الممكن أن تختار الدولة الطريق الأسهل، وهو التعامل الأمني المباشر وحده، إلا أن التجربة أثبتت أن الحل الأمني، رغم ضرورته، لا يكفي بمفرده.

تستطيع أن تمنع مركبًا من الخروج، لكن إذا لم تعالج الأسباب التي دفعت ركابه إلى التفكير في الهجرة، فسوف يبحثون عن مركب آخر وطريق آخر ووسيلة أخرى.

ولهذا كان التفكير المصري أكثر عمقًا وشمولًا.

لقد فهمت الدولة أن الشاب الذي يخاطر بحياته لا يحتاج فقط إلى من يمنعه، وإنما يحتاج أيضًا إلى من يسمعه، ويوعيه، ويفتح أمامه بابًا مشروعًا للعمل والحياة.

كما أن الأسرة التي تدفع مدخراتها إلى مهرب لا تحتاج إلى التحذير وحده، وإنما تحتاج إلى معرفة الحقيقة كاملة، وأن رحلة البحر ليست طريقًا مختصرًا نحو الثراء، بل قد تكون طريقًا بلا عودة.

هنا ظهرت أهمية الجمع بين القانون والتنمية والتوعية.

فالدولة واجهت شبكات التهريب والإتجار بالبشر، وجرمت الأفعال المرتبطة بالهجرة غير الشرعية، وشددت العقوبات على من يحولون أحلام الشباب إلى تجارة مربحة، وفي الوقت نفسه توسعت في المشروعات القومية وبرامج الحماية الاجتماعية وتنمية القرى وتحسين البنية الأساسية وخلق فرص العمل.

وبالطبع، لا يمكن القول إن كل المشكلات الاقتصادية قد انتهت، أو إن فرص العمل أصبحت متاحة أمام الجميع، فمثل هذا الكلام لا يكون واقعيًا.

لكن الفارق الحقيقي هو وجود دولة تتحرك، وتبني، وتطور، وتبحث عن حلول، ولا تترك الشباب وحدهم أمام المهربين وتجار الوهم.

ومن يتابع ما شهدته المحافظات المصرية خلال السنوات الماضية، خصوصًا محافظات الدلتا والصعيد والمناطق التي كانت تُصنف ضمن البيئات الأكثر تصديرًا للهجرة غير الشرعية، يستطيع أن يدرك حجم التحول.

مشروعات الطرق، وتطوير القرى، ومبادرة حياة كريمة، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وبرامج التدريب والتأهيل، كلها ليست منفصلة عن ملف الهجرة، بل تمثل جزءًا رئيسيًا من مواجهته.

فالتنمية ليست مجرد مبانٍ جديدة أو طرق حديثة، لكنها في جوهرها حماية للمجتمع. كل فرصة عمل يتم توفيرها لشاب هي باب يتم إغلاقه أمام مهرب.

وكل مدرسة يتم تطويرها هي خطوة تمنع طفلًا من التسرب والتحول إلى فريسة سهلة.

وكل مشروع صغير يبدأ في قرية هو رسالة واضحة بأن الأمل يمكن أن يكون هنا داخل الوطن، وليس بالضرورة على الجانب الآخر من البحر.

ولذلك جاءت تصريحات السفير عمرو رمضان أمام الأمم المتحدة لتعبر عن رؤية مصرية مهمة، حين شدد على ضرورة التعامل بصورة عملية مع الأسباب الحقيقية للهجرة غير الشرعية.

وهذه النقطة بالتحديد يجب أن يتوقف أمامها المجتمع الدولي طويلًا.

فبعض الدول الغنية تتعامل مع الهجرة باعتبارها أزمة تصل إلى حدودها، ولا تبدأ في الاهتمام بها إلا بعد ظهور القوارب على شواطئها.

والحقيقة أن الأزمة تبدأ قبل ذلك بسنوات، عندما تنتشر البطالة، وتتراجع التنمية، وتندلع الصراعات، ويشعر الإنسان بأنه أصبح بلا فرصة وبلا حماية.

لا يمكن للعالم أن يواجه الهجرة غير الشرعية ببناء الأسوار فقط، أو بإغلاق الموانئ، أو بإعادة المهاجرين من حيث أتوا.

هذه الإجراءات قد تقلل التدفقات لفترة، لكنها لا تلغي الدافع إلى الهجرة.

الحل الحقيقي يبدأ من دعم التنمية في الدول المصدرة للمهاجرين، والعمل على تسوية النزاعات، وتوفير التعليم والتدريب وفرص العمل، وفتح مسارات قانونية ومنظمة للحركة والهجرة.

ومن هذه الزاوية، لم تكتف مصر بحماية سواحلها، وإنما قدمت للمجتمع الدولي نموذجًا عمليًا يقول إن النجاح ممكن عندما تتوفر الإرادة، وعندما تتكامل أدوات الدولة، وعندما يُنظر إلى المهاجر باعتباره إنسانًا له ظروفه ودوافعه، وليس مجرد رقم في تقرير أمني.

اللافت للنظر كذلك أن مصر حققت هذا النجاح رغم تحملها أعباء ضخمة نتيجة استضافة ملايين الضيوف من جنسيات مختلفة، ممن قدموا إليها هربًا من الحروب والصراعات والأزمات الاقتصادية في بلادهم.

ولم تقم مصر بوضعهم داخل مخيمات مغلقة أو عزلهم عن المجتمع، وإنما عاشوا وسط المصريين، وشاركوا في الحياة اليومية، وحصلوا على الخدمات الأساسية بقدر الإمكان.

وهنا تظهر المعادلة المصرية الصعبة.

فمن ناحية، أغلقت الدولة السواحل أمام الهجرة غير الشرعية، ومن ناحية أخرى، لم تغلق أبوابها في وجه الفارين من الخطر.

حافظت على أمنها القومي، لكنها لم تتخل عن دورها الإنساني.

واجهت شبكات التهريب بحسم، لكنها تعاملت مع الضحايا بقدر كبير من المسؤولية.

هذه المعادلة لا تستطيع كل الدول تحقيقها.

فهناك دول تمتلك إمكانات مالية أكبر، لكنها لا تتحمل جزءًا مما تتحمله مصر.

وهناك مجتمعات دخلت في أزمات سياسية حادة بسبب استقبال أعداد أقل بكثير من اللاجئين والمهاجرين.

أما مصر، فاستمرت في القيام بدورها رغم الظروف الاقتصادية وضغوط النمو السكاني وارتفاع تكلفة الخدمات.

وهذا لا يعني أن المجتمع الدولي معفى من مسؤولياته، بل على العكس.

يجب أن يدرك العالم أن الدول المستضيفة للاجئين والمهاجرين لا يمكن أن تتحمل الأعباء منفردة.

فالمسؤولية مشتركة، والدعم الدولي يجب ألا يقتصر على البيانات والتصريحات، وإنما يتحول إلى برامج حقيقية لتمويل التعليم والصحة والتدريب وفرص العمل.

إن عرض التجربة المصرية أمام الأمم المتحدة يحمل رسالة سياسية ودبلوماسية واضحة، مفادها أن مصر ليست مجرد دولة تطلب المساعدة أو تشكو من الأعباء، وإنما دولة تمتلك خبرة عملية يمكن نقلها إلى الآخرين.

فهي تقدم تجربتها باعتبارها نموذجًا في إدارة ملف معقد يجمع بين الأمن والتنمية وحقوق الإنسان والتعاون الإقليمي والدولي.

كما يعكس هذا الأمر تطورًا مهمًا في الدور المصري على الساحة الدولية.

فمصر لا تتحرك فقط للدفاع عن مصالحها المباشرة، لكنها تساهم في صياغة الحلول للقضايا التي تشغل العالم.

والهجرة غير الشرعية واحدة من هذه القضايا التي لا تستطيع دولة واحدة مواجهتها بمفردها، لأنها ترتبط بشبكات عابرة للحدود، وأوضاع اقتصادية وسياسية متشابكة، وصراعات تتجاوز حدود الدول.

وفي تقديري الشخصي، فإن أهم ما يميز التجربة المصرية هو الاستمرارية.

فكثير من الدول تطلق حملات لمواجهة ظاهرة معينة، ثم يتراجع الاهتمام بها بعد فترة.

لكن الحفاظ على السواحل المصرية دون خروج مراكب للهجرة غير الشرعية منذ عام 2016 يعني أن الأمر تحول إلى سياسة دولة مستدامة، وليس مجرد استجابة مؤقتة.

والاستدامة هنا تحتاج إلى مؤسسات تتابع، وقوانين تُطبق، وأجهزة تتعاون، ووعي مجتمعي يتزايد.

كما تحتاج إلى تحديث مستمر للأدوات، لأن شبكات التهريب لا تتوقف عن تطوير أساليبها، وقد تستغل التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي في استقطاب الشباب ونشر الإعلانات الكاذبة عن فرص العمل والسفر.

ومن هنا يجب ألا يتوقف العمل عند ما تحقق.

النجاح الكبير ليس سببًا للطمأنينة الزائدة، بل دافعا لمزيد من اليقظة.

فالأزمات الاقتصادية العالمية، والتغيرات المناخية، والصراعات الإقليمية، كلها قد تزيد من ضغوط الهجرة خلال السنوات المقبلة.

ولذلك يجب استمرار حملات التوعية، وتطوير برامج التدريب والتشغيل، ومواجهة الصفحات والمنصات التي تروج للهجرة غير الشرعية، وتقديم معلومات واضحة للشباب حول طرق السفر والعمل القانونية.

كذلك يجب الاهتمام بصورة أكبر بقصص النجاح الحقيقية للشباب الذين استطاعوا بناء مستقبلهم داخل مصر، سواء من خلال المشروعات الصغيرة أو التدريب المهني أو العمل الحر أو استخدام التكنولوجيا.

فمواجهة حلم كاذب تحتاج إلى حلم حقيقي بديل.

ولا يكفي أن نقول للشباب لا تسافروا بطريقة غير شرعية، بل يجب أن نقول لهم كيف يستطيعون النجاح بصورة آمنة وقانونية.

الإعلام أيضًا يتحمل مسؤولية كبيرة في هذا الملف.

فالتغطية الإعلامية يجب ألا تقتصر على الحوادث المأساوية بعد غرق المراكب، وإنما يجب أن تعمل بصورة استباقية على كشف أكاذيب المهربين، وتوضيح المخاطر القانونية والإنسانية، وتقديم نماذج إيجابية وفرص متاحة، وشرح جهود الدولة بلغة بسيطة تصل إلى المواطنين في القرى والنجوع.

كما أن المدارس والجامعات ومراكز الشباب والمؤسسات الدينية والمجتمع المدني يجب أن تكون جزءًا من منظومة التوعية.

فالهجرة غير الشرعية ليست مسؤولية جهة واحدة، وإنما قضية مجتمع كامل.

وكل مؤسسة تستطيع أن تقدم دورًا في حماية الشباب من الوقوع في هذه المغامرة القاتلة.

لقد أثبتت التجربة المصرية أن الدولة القوية ليست فقط الدولة التي تحرس حدودها، وإنما الدولة التي تحمي أبناءها من اليأس.

الأمن الحقيقي لا يبدأ عند الشاطئ، بل يبدأ داخل القرية والحي والمدرسة ومركز التدريب ومكان العمل.

وعندما يشعر المواطن بأن هناك فرصة، حتى لو كانت البداية صعبة، تقل احتمالات أن يسلم حياته إلى مهرب لا يرى فيه سوى مبلغ من المال.

ولذلك فإن عبارة «لم يخرج مركب هجرة غير شرعية من السواحل المصرية منذ 2016» يجب ألا تمر علينا باعتبارها مجرد خبر.

إنها شهادة على نجاح مؤسسات الدولة، وعلى إنقاذ أرواح كان من الممكن أن تضيع في البحر، وعلى حماية أسر كان من الممكن أن تفقد أبناءها، وعلى مواجهة تجارة قذرة تستغل احتياجات البشر وأحلامهم.

إن كل مركب لم يخرج يعني أرواحًا لم تغرق، وأطفالًا لم يفقدوا آباءهم، وأمهات لم ينتظرن مكالمة تخبرهن بأن أبناءهن أصبحوا في عداد المفقودين.

ولهذا فإن القيمة الإنسانية لهذا الإنجاز أكبر بكثير من قيمته الأمنية أو السياسية.

وفي النهاية، فإن مصر حين تعرض تجربتها أمام الأمم المتحدة، لا تدعي أنها حلت جميع مشكلات الهجرة في العالم، لكنها تقول بوضوح إن هناك طريقًا واقعيًا للمواجهة.. طريقا يبدأ بالقانون ولا ينتهي عنده، ويستخدم الأمن دون أن يهمل التنمية، ويحمي الحدود دون أن يتخلى عن الإنسانية، ويواجه المهربين دون أن يدين ضحاياهم.

هذه هي التجربة التي تستحق أن تُدرس، لأنها لم تكتف بإغلاق الشواطئ، بل عملت على إغلاق أبواب الموت، وفتح أبواب أخرى للحياة والأمل والعمل.

وإذا كان العالم جادًا بالفعل في مواجهة الهجرة غير الشرعية، فعليه أن يتوقف عن معالجة النتائج بعد وقوعها، وأن يبدأ  مواجهة الأسباب قبل أن تتحول إلى قوارب تمتلئ بالبشر وتبحر نحو المجهول.

ومصر، بما حققته منذ عام 2016، تقدم الدليل العملي على أن الإرادة السياسية، حين تقترن بالتنمية والتنسيق والوعي، تستطيع أن تحول واحدة من أخطر الأزمات إلى قصة نجاح حقيقية.

الصفحة الخامسة من العدد رقم 471 الصادر بتاريخ 16 يوليو 2026
تم نسخ الرابط