عاصم سليمان يكتب: تكريم الرئيس للمنتخب.. احتفاء بالأبطال ورسالة ثقة في مستقبل الكرة المصرية
- حديث الرئيس السيسي للاعبي المنتخب.. فلسفة جديدة في صناعة الانتصار
- اكتشاف المواهب.. نقطة الانطلاق نحو صناعة جيل جديد من أبطال الكرة المصرية
- التكريم يدعم ثقافة تقدير المجتهدين ويمنح الأجيال الجديدة أملا في صناعة الإنجاز
لم يكن المشهد في مدينة العلمين مجرد لقاء رسمي بين رئيس الجمهورية ولاعبي المنتخب الوطني لكرة القدم، ولم يكن تكريما بروتوكوليا ينتهي بالتقاط صورة تذكارية أو منح أوسمة وشهادات تقدير، بل كان لحظة وطنية خالصة اختلط فيها الاعتزاز بالفخر، وتحولت فيها كرة القدم إلى لغة تتحدث بها الدولة مع أبنائها.
عندما استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي لاعبي المنتخب والجهازين الفني والإداري، لم يكن يكرم أحد عشر لاعبا أو جهازا فنيا نجح في تقديم بطولة جيدة، وإنما كان يكرم فكرة كاملة عنوانها أن من يجتهد من أجل اسم مصر يجد من يقدر جهده، وأن الوطن لا يقيس أبناءه فقط بعدد الانتصارات، وإنما بما يقدمونه من شرف وإخلاص وانتماء، لذلك بدا المشهد مختلفا، وبدا أكثر دفئا من أي مراسم رسمية، لأنه حمل رسالة إنسانية قبل أن يحمل رسالة سياسية أو رياضية.
لقد لفت انتباهي أن الرئيس في كلمته لم يتوقف عند نتائج المباريات، ولم يتحدث عن أهداف سجلت أو فرص أهدرت، بل اختار أن يتحدث عن قيمة أكبر بكثير، هي الاحترام الذي نجح المنتخب في انتزاعه من كل من تابع البطولة.
هنا تحديدا ظهرت فلسفة مختلفة في النظر إلى الرياضة.
فهناك من يرى أن كرة القدم تنتهي مع صافرة الحكم، بينما يرى الرئيس أن ما يبقى بعد المباراة هو الصورة التي يتركها الفريق عن وطنه، والانطباع الذي يرسخه لدى العالم عن شعبه.
لذلك جاءت عباراته لتؤكد أن احترام الناس لما قدمه المنتخب ربما كان أهم من أي نتيجة، لأن الانتصارات قد تنسى مع مرور الوقت، أما الصورة المشرفة فتبقى في الذاكرة لسنوات طويلة.
ولعل أكثر ما أعجبني في هذا التكريم أنه لم يكن احتفاء بالنتيجة فقط، وإنما احتفاء بالقيم، فقد أشاد الرئيس بالعزيمة والانضباط والإصرار والروح التي تحلى بها اللاعبون، وهي كلمات تبدو للوهلة الأولى عادية، لكنها في الحقيقة تختصر الفارق بين فريق يلعب كرة قدم، وفريق يحمل اسم وطن على كتفيه، هذه القيم هي التي صنعت حالة الالتفاف الشعبي حول المنتخب طوال مشواره في كأس العالم، وهي التي جعلت ملايين المصريين يشعرون أن أبناءهم داخل الملعب يمثلونهم خير تمثيل، وأنهم يقاتلون من أجل العلم المصري قبل أي شيء آخر.
ومن يقرأ كلمة الرئيس جيدا سيدرك أنها لم تكن موجهة إلى لاعبي المنتخب وحدهم، بل كانت رسالة إلى كل شاب مصري يحلم بالنجاح، الرسالة كانت واضحة؛ الطريق إلى التقدير يبدأ بالاجتهاد، والالتزام لا يضيع، والعمل المخلص يجد من يراه ويحتفي به.
وهذه من أهم الرسائل التي يمكن أن تبني وعيا جديدا لدى الأجيال الصاعدة، لأن الشباب يحتاج دائما إلى نماذج يشعر معها أن الدولة تتابع نجاحه وتحتفي به، لا أن تكتفي بمشاهدة إنجازه من بعيد.
ولم تتوقف رؤية الرئيس عند حدود الاحتفال بما تحقق، بل انتقلت مباشرة إلى المستقبل، وهنا ظهرت النظرة الإستراتيجية التي تميز الدول التي تخطط ولا تكتفي بالاحتفال، فعندما تحدث عن ضرورة وجود كشافين متجردين لاكتشاف المواهب الصغيرة، كان في الحقيقة يضع حجر أساس لمرحلة جديدة في الكرة المصرية، فالموهبة وحدها لا تكفي إذا لم تجد من يكتشفها، ولا تجد من يمنحها الفرصة بعيدا عن أي اعتبارات أخرى، لذلك جاءت دعوته صريحة إلى البحث عن أصحاب الموهبة الحقيقيين، مع تأكيد استعداد الدولة لتقديم كل الدعم لهم وللجهاز الفني الوطني، وهي رسالة تعكس إيمانا بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان، وأن بناء الأبطال لا يقل أهمية عن بناء المدن والمشروعات.
كما أن تأكيد الرئيس على دعم الجهاز الفني الوطني يحمل دلالة مهمة، فهو يعكس ثقة في الكفاءة المصرية وقدرتها على تحقيق النجاح متى توافرت لها البيئة المناسبة، فالرياضة مثلها مثل أي مجال آخر، تحتاج إلى الثقة بقدر احتياجها إلى الإمكانات، وعندما يشعر المدرب الوطني أن الدولة تقف خلفه، فإنه يعمل بعقل أكثر هدوءا، وبطموح أكبر، وبإحساس حقيقي بالمسؤولية.
الحقيقة أن هذا التكريم تجاوز حدود الرياضة، لأنه قدم درسا في كيفية صناعة الأمل.
فالطفل الذي شاهد رئيس الجمهورية يكرم نجوم المنتخب سيحلم أن يكون يوما بينهم، والأسرة المصرية ستزداد اقتناعا بأن الرياضة يمكن أن تكون طريقا للنجاح، وكل لاعب صغير في مركز شباب سيؤمن أن الجهد الصادق قد يقوده يوما إلى الوقوف في هذا المكان، حاملا علم مصر ومحل تقدير دولته.
أعتقد أن أجمل ما في هذا المشهد أن الرئيس السيسي لم ينتظر لقبا عالميا حتى يقول شكرا، بل اختار أن يحتفي بمن قدم صورة تليق بمصر، وكأن الرسالة تقول إن قيمة الإنسان لا تختزل في كأس يرفعها، وإنما فيما يقدمه من التزام وإخلاص واحترام لوطنه.
وهذه هي الرسائل التي تصنع الفارق بين دولة تتابع الإنجاز، ودولة تبني الإنسان.
وسيظل هذا التكريم علامة فارقة في ذاكرة الرياضة المصرية، لأنه لم يكن احتفالا بفريق لكرة القدم فقط، بل كان احتفاء بقيم العمل والانتماء والإصرار، ورسالة واضحة بأن مصر لا تنسى أبناءها الذين يرفعون اسمها عاليا، وأن كل من يخلص لهذا الوطن سيجد دائما من يفتح له الأبواب ويمنحه التقدير الذي يستحقه.




