السينما المصرية تعود إلى القمة

محمود الشويخ - صورة
محمود الشويخ - صورة أرشيفية

- إيرادات الأفلام تتجاوز نصف مليار جنيه وتعيد للشاشة الكبيرة بريقها

- الأفلام المصرية تستعيد ثقة الجمهور بعد سنوات من التراجع وضعف الإنتاج

- فيلم «7 Dogs» يكتسح المنافسة وإيراداته تقفز إلى 220 مليون جنيه

- محمد رمضان يحصد 85 مليون جنيه بـ«أسد».. و«صقر وكناريا» في سباق النجاح 

- الأرقام تحسم المشهد.. أكثر من نصف مليار جنيه تؤكد عودة السينما المصرية إلى الواجهة

كثيرا ما كنت أتابع حال السينما المصرية وينتابني الحزن على ما وصلت إليه بعد سنوات طويلة كانت فيها الشاشة الكبيرة واحدة من أهم أدوات القوة الناعمة في المنطقة العربية، كنت أرى دور العرض تعاني، وعدد الأفلام يتراجع، والإيرادات لا تعكس تاريخ صناعة كانت يوما ما الأكبر والأكثر تأثيرا، كانت هناك أعمال قليلة تظهر بين الحين والآخر، لكنها لم تكن كافية لإعادة الروح إلى صناعة عاشت سنوات من التراجع والقلق، حتى بدأ كثيرون يتساءلون: هل فقدت السينما المصرية مكانتها التي حافظت عليها لعقود طويلة؟

لكن المشهد اليوم يبدو مختلفا تماما، فمن يتابع حركة السينما خلال الفترة الحالية يدرك أن الصناعة استعادت جزءا كبيرا من بريقها، وأن الجمهور عاد مرة أخرى إلى قاعات العرض، وأن المنتجين أصبحوا أكثر جرأة في ضخ استثمارات ضخمة، بعدما أثبتت شباك التذاكر أن الفيلم الجيد ما زال قادرا على جذب الملايين وتحقيق أرقام قياسية.

الأرقام لا تكذب، وربما تكون هي أفضل شاهد على حالة الانتعاش التي تعيشها السينما المصرية حاليا، بعدما تجاوزت إيرادات الأفلام المطروحة حاجز نصف مليار جنيه، في مشهد يؤكد أن الصناعة استعادت عافيتها، وأن الجمهور المصري والعربي ما زال يمنح ثقته للفيلم المصري عندما يجد عملا يقدم له المتعة والجودة والإنتاج الكبير.

ولعل ما يميز هذه الطفرة أنها لم تأت من فراغ، بل جاءت بعد سنوات من العمل على إعادة بناء الصناعة من جديد، فقد أصبح هناك اهتمام أكبر بجودة السيناريو، والاعتماد على تقنيات تصوير حديثة، وتطوير أساليب الدعاية والتسويق، إلى جانب زيادة حجم الاستثمارات في الإنتاج السينمائي، كما شهدت دور العرض تطورا كبيرا جعل تجربة مشاهدة الفيلم أكثر متعة، وهو ما شجع الجمهور على العودة إلى السينما بعدما كانت المنصات الرقمية قد استحوذت على جانب كبير من اهتمامه خلال السنوات الماضية، واليوم أصبح الفيلم المصري يدخل المنافسة وهو يمتلك عناصر جذب حقيقية، سواء على مستوى الصورة أو الإخراج أو الأداء أو مستوى التنفيذ، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على حجم الإقبال والإيرادات.

ومن اللافت أيضا أن الموسم الحالي لم يعتمد على نجم واحد أو نوع سينمائي واحد، بل شهد حالة من التنوع النادر التي افتقدتها السينما لسنوات، فهناك أفلام أكشن ضخمة، وأعمال اجتماعية، وأفلام تميل إلى الكوميديا أو الرومانسية أو التشويق، وهو ما منح كل شريحة من الجمهور فرصة للعثور على العمل الذي يناسب ذوقها، كما أن المنافسة بين النجوم لم تتحول إلى صراع، بل أصبحت سباقا لتقديم الأفضل، وهو ما يصب في النهاية في مصلحة المشاهد والصناعة معا، وعندما تحقق أكثر من تجربة سينمائية النجاح في موسم واحد، فإن الرسالة تصبح واضحة، وهي أن السوق أصبحت قادرة على استيعاب أكثر من عمل ناجح في الوقت نفسه، وأن السينما المصرية استعادت قدرتها على التنوع والإبهار وصناعة الحدث.

وجاء على رأس هذه الطفرة فيلم 7 Dogs الذي جمع بين النجمين كريم عبد العزيز وأحمد عز، واستطاع أن يحقق إيرادات بلغت نحو 220 مليون جنيه، ليؤكد أن الرهان على الإنتاج الضخم والنجوم الكبار ما زال يحقق نجاحا استثنائيا، خاصة مع تقديم تجربة سينمائية تعتمد على الصورة الحديثة والإيقاع السريع ومستوى تنفيذ يقترب من المعايير العالمية.

وفي المقابل، استطاع فيلم "الكلام على إيه" بطولة آية سماحة وأحمد حاتم أن يفرض نفسه بقوة داخل المنافسة، بعدما حقق إيرادات وصلت إلى 90 مليون جنيه، وهو رقم يعكس قدرة الأعمال التي تعتمد على الفكرة الجيدة والأداء المميز على الوصول إلى الجمهور وتحقيق نجاح تجاري كبير.

كما سجل فيلم "أسد" للنجم محمد رمضان حضورا قويا داخل شباك التذاكر، بعدما بلغت إيراداته نحو 85 مليون جنيه، ليؤكد استمرار جماهيريته الكبيرة، وقدرته على جذب قطاع واسع من الجمهور الذي يحرص على متابعة أعماله السينمائية.

ولم يكن النجاح مقتصرا على هذه الأعمال فقط، إذ حقق فيلم "إذما" بطولة أحمد داود وسلمى أبو ضيف إيرادات بلغت 55 مليون جنيه، وهو ما يعكس تنوع الأذواق داخل السوق، وأن الجمهور أصبح يُقبل على أكثر من نوع سينمائي طالما وجد الجودة والاحترام في التنفيذ.

أما فيلم "صقر وكناريا" الذي جمع محمد إمام ويارا السكري، فقد نجح في تحقيق 45 مليون جنيه، وهو رقم جيد يؤكد استمرار المنافسة بين نجوم الصف الأول، وقدرة الأفلام الجماهيرية على الاحتفاظ بمكانتها داخل موسم يشهد زخما كبيرا.

وشهد الموسم أيضا عرض فيلم "الكراش" بطولة أحمد داود وباسم سمرة، الذي سجل إيرادات بلغت نحو 9 ملايين جنيه، بينما حقق فيلم "القصص" بطولة نيللي كريم نحو 5 ملايين جنيه، وهي أرقام ربما تبدو أقل مقارنة بالأعمال الأخرى، لكنها تعكس وجود مساحة متنوعة من الأفلام التي تخاطب شرائح مختلفة من الجمهور.

وعندما نجمع هذه الإيرادات، نجد أنفسنا أمام رقم يتجاوز نصف مليار جنيه، وهو إنجاز لم يكن من السهل تحقيقه قبل سنوات قليلة، حين كانت الصناعة تواجه تحديات عديدة، سواء على مستوى الإنتاج أو التوزيع أو حتى ثقة الجمهور في الذهاب إلى السينما.

ولا يمكن النظر إلى هذه الأرقام باعتبارها مجرد نجاحات مالية، لأن ما تحقق يحمل دلالات أكبر بكثير.

فارتفاع الإيرادات يعني أن المستثمر أصبح أكثر اطمئنانا لضخ أموال جديدة في الصناعة، ويعني أن المنتجين أصبحوا قادرين على تنفيذ مشروعات أكثر طموحا، كما يمنح المخرجين والكتاب فرصة لتقديم أفكار جديدة في ظل سوق قادرة على استيعاب التنوع والاختلاف.

كما أن المنافسة القوية بين النجوم أصبحت تصب في صالح المشاهد، فكل فنان يسعى لتقديم الأفضل من أجل الحفاظ على مكانته، وهو ما ينعكس في النهاية على جودة الأفلام ومستوى الإنتاج والتقنيات المستخدمة، لتصبح المنافسة الحقيقية في صالح السينما المصرية نفسها.

ولا يجب أن نغفل أيضا أن هذه الطفرة جاءت نتيجة تطور واضح في دور العرض، وتحديث كبير في وسائل العرض والصوت والصورة، إلى جانب الحملات الدعائية الضخمة التي أصبحت تسبق طرح الأفلام بفترات طويلة، وهو ما ساهم في خلق حالة من الترقب والحماس لدى الجمهور.

وربما يكون الأهم من كل ذلك أن السينما المصرية استعادت ثقة جمهورها، فالمشاهد الذي كان يتردد في شراء تذكرة أصبح اليوم أكثر استعدادا لخوض التجربة، بعدما وجد أعمالا تحترم عقله وتقدم له قيمة إنتاجية وفنية تليق بتاريخ هذه الصناعة العريقة.

وأعتقد أن ما يحدث اليوم ليس مجرد موسم ناجح سينتهي مع انتهاء عرض هذه الأفلام، بل هو بداية مرحلة جديدة إذا أحسن القائمون على الصناعة استثمارها، فالنجاح الحقيقي لا يقاس بفيلم واحد أو موسم واحد، وإنما باستمرار تقديم أعمال قوية، واكتشاف وجوه جديدة، ومنح الفرصة للأفكار المختلفة، مع الحفاظ على الجودة التي أعادت الجمهور إلى السينما مرة أخرى.

وللحق فإنني أشعر بسعادة حقيقية وأنا أرى السينما المصرية تستعيد مكانتها خطوة بعد أخرى، فمن كان يتابع سنوات التراجع لا يمكنه إلا أن يفرح بما يحدث اليوم، صحيح أن الطريق ما زال طويلا، وأن الحفاظ على هذا النجاح أصعب من الوصول إليه، لكن ما تحقق خلال الفترة الأخيرة يمنحنا أملا كبيرا في أن تستعيد السينما المصرية مكانتها الطبيعية، ليس فقط كصناعة تحقق مئات الملايين من الجنيهات، ولكن كقوة ثقافية وفنية قادرة على صناعة النجوم، وتقديم الحكايات التي تعبر عن المجتمع، والوصول إلى كل بيت في مصر والعالم العربي كما كانت دائما.

الصفحة السابعة من العدد رقم 470 الصادر بتاريخ 9 يوليو 2026
تم نسخ الرابط