الجرأة في السينما المصرية.. صراع بين "حرية الإبداع" و"تقاليد المجتمع"

الكاتب والإعلامى
الكاتب والإعلامى محمد فودة - صورة أرشيفية

"السلم والثعبان".. تجربة أثارت الجدل وأعادت طرح مفهوم الجرأة في سياقها الفني

أسماء جلال.. حضور متوازن يجمع بين الحساسية الفنية والجرأة الواعية

تحولات الذوق العام معادلة معقدة تحكم علاقة السينما بالجمهور

لم تكن السينما المصرية يوما ما بعيدة عن نبض المجتمع أو معزولة عن تحولاته، بل ظلت، على امتداد تاريخها، ساحة مفتوحة لطرح الأسئلة الكبرى التي تشغل الوجدان الجمعي. وفي قلب هذه الأسئلة، تبرز قضية "الجرأة" بوصفها واحدة من أكثر القضايا إثارة للنقاش، لا لكونها مجرد اختيار فني، بل لأنها تمس مباشرة منظومة القيم، وتختبر حدود المقبول، وتعيد طرح العلاقة المعقدة بين حرية الإبداع وذائقة الجمهور، وفي هذا السياق، يظل فيلم "السلم والثعبان" حاضرا بقوة في الذاكرة السينمائية، ليس فقط كعمل أثار جدلا واسعا عند عرضه، بل كنموذج دال على كيفية استقبال الجمهور للأعمال التي تتجاوز السائد، ثم إعادة تقييمها لاحقا بمعايير أكثر اتزانًا.

وبين لحظة الرفض الأولى، ومرحلة إعادة الاكتشاف، تتكشف ملامح قصة أعمق، تتعلق بتحولات الذوق العام، وتبدل معايير الحكم على الفن.

وتبدو الجرأة في السينما المصرية مفهوما نسبيا، يتغير بتغير السياق الزمني والاجتماعي، فما كان ينظر إليه في فترة ما باعتباره خروجا على المألوف، قد يصبح لاحقا جزءا من لغة سينمائية اعتيادية، غير أن هذه النسبية لا تمنع من رصد لحظات بعينها شكلت نقاط انعطاف، كان من بينها تجربة السلم والثعبان، فعند طرح الفيلم، واجه موجة من الانتقادات التي ركزت في جانب كبير منها على بعض المشاهد التي اعتبرها قطاع من الجمهور "فجّة" أو تتجاوز حدود المقبول اجتماعيا. 

ولم يكن هذا الرفض منفصلا عن طبيعة المرحلة، حيث كانت الذائقة العامة تميل إلى أنماط أكثر تحفظا في تناول العلاقات الإنسانية، وتفضل الإيحاء على التصريح، والرمز على المباشرة، غير أن القراءة المتأنية للفيلم تكشف أن ما قدم لم يكن سعيا إلى الإثارة المجردة، بقدر ما كان محاولة للاقتراب من واقع إنساني معقد، تتداخل فيه المشاعر وتتشابك فيه العلاقات بعيدًا عن التبسيط أو التجميل، فالمشاهد التي أثارت الجدل لم تأت خارج السياق، بل كانت جزءا من بناء درامي يسعى إلى التعبير عن هشاشة الإنسان وتناقضاته، وهي أمور يصعب تناولها دائما بلغة محافظة بالكامل، وهنا تبرز إشكالية التلقي، حيث يتعامل الجمهور، بطبيعته، مع العمل الفني انطلاقا من منظومته القيمية وخبراته السابقة، وعندما يواجه طرحا مختلفا، قد يكون رد الفعل الأول هو الرفض أو التحفظ، لا بالضرورة لضعف العمل، بل لعدم التوافق اللحظي بين ما يعرض وما هو متعارف عليه.

واللافت أن هذا الموقف لم يظل ثابتا، فمع مرور الوقت، بدأت تتشكل قراءة جديدة للفيلم، أكثر هدوءا وإنصافا، تنظر إليه باعتباره تجربة فنية متكاملة، استطاعت أن تطرح موضوعاتها بقدر من الصدق والجرأة المحسوبة، وقد ساعد على ذلك تغير الذائقة العامة، وانفتاح الجمهور على أنماط سردية أكثر تنوعًا، فضلا عن تراكم خبرات المشاهدة، ولا يمكن في هذا السياق إغفال الدور الذي لعبه الأداء التمثيلي في تثبيت قيمة العمل. فالجرأة، إذا لم تدعم بأداء صادق، قد تتحول إلى عبء على الفيلم بدلًا من أن تكون إضافة له.

ومن هنا، تبدو أهمية النماذج التمثيلية التي استطاعت التعامل مع هذه المساحات الحساسة بوعي واحتراف، ويبرز حضور أسماء جلال بوصفه مثالا على كيفية توظيف الجرأة داخل السياق الدرامي دون افتعال، فهي تنتمي إلى جيل من الممثلين يدرك أن قوة الأداء لا تكمن في كسر المحظور، بل في القدرة على التعبير الصادق عن الحالة الإنسانية، مهما كانت معقدة أو شائكة. وقد انعكس هذا الفهم في اختياراتها وأدائها، حيث بدت قادرة على الموازنة بين الحساسية والجرأة، دون أن تفقد السيطرة على أدواتها، وبالمثل، يأتي حضور عمرو يوسف ليؤكد أن الجرأة الحقيقية في التمثيل لا تتعلق بالمشاهد ذاتها، بقدر ما تتعلق بمدى صدق التجسيد وقدرته على إقناع المتلقي، فاختياراته تميل إلى الأدوار التي تنطوي على أبعاد نفسية وإنسانية مركبة، وهو ما يمنح الأداء عمقا ويبعده عن السطحية.

وعند الربط بين هذه النماذج وتجربة السلم والثعبان، يمكن القول إن ما منح الفيلم قيمته المستمرة هو تكامله الفني، لا مجرد جرأته. فالعمل الذي ينجح في البقاء لا يفعل ذلك لأنه أثار الجدل، بل لأنه استطاع أن يقدّم تجربة إنسانية قابلة لإعادة الاكتشاف مع مرور الزمن، وعلى مستوى أوسع، تعكس هذه الحالة مسارًا متدرجًا لتحولات الذوق العام في مصر، فالجمهور لم يعد يتعامل مع الأعمال الفنية بنفس الحساسية التي كانت سائدة قبل عقود، كما أن أدوات التلقي تطورت، وأصبح هناك وعي أكبر بالفصل بين ما هو فني وما هو شخصي أو أخلاقي، ومع ذلك، لا يعني هذا اختفاء التحفظ، بل تحوله إلى شكل أكثر نقاشا وأقل حدة.

ويبقى التحدي قائما أمام صناع السينما.. كيف يمكن تقديم أعمال جريئة دون الوقوع في فخ الاستسهال؟ وكيف يمكن الحفاظ على توازن دقيق بين احترام الذائقة العامة والسعي إلى تطويرها؟ وهما سؤالان لا يملكان إجابات نهائية، بقدر ما يظلان مفتوحين أمام كل تجربة جديدة، وتظل تجربة "السلم والثعبان" شاهدًا على أن الجرأة في الفن ليست قيمة مطلقة، بل هي نتاج تفاعل معقد بين المبدع والجمهور والزمن. فما يُقابل بالرفض في لحظة ما، قد يتحول إلى علامة فارقة في لحظة أخرى، حين تتغير زاوية النظر وتتسع دوائر الفهم.

وبينما تستمر السينما المصرية في سعيها لمواكبة هذه التحولات، يظل الرهان الحقيقي على الصدق الفني والتكامل، وهما العنصران القادران على تحويل الجرأة من موضع جدل إلى عنصر قوة، وعندما تتجسد هذه المعادلة في أداء واعٍ وحرفي، كما لدى ممثلين مثل أسماء جلال وعمرو يوسف، فإن النتيجة لا تكون مجرد عمل مثير للنقاش، بل تجربة سينمائية تستحق البقاء، وهكذا، تبقى السينما، في نهاية المطاف، مرآة تعكس ما نحن عليه.

الصفحة السابعة من العدد رقم 457 الصادر بتاريخ  2 أبريل 2026
تم نسخ الرابط