الذوق العام مات.. والعزاء على "السوشيال ميديا"

الكاتب والإعلامى
الكاتب والإعلامى محمد فودة - صورة أرشيفية

- مشاهد الانحدار تبث يوميا على الهواء.. ونهش علني لحرمة البيوت

- كروان مشاكل والعندليب الأبيض وملك جمال الشرقية.. رموز عبثية تتصدر مشهد التفاهة

- البلوجرز الجدد.. نجومية رخيصة تليق بمجتمع تائه في فوضى المحتوى الرخيص 

- غرف المعيشة تتحول إلى استوديوهات بث مباشر من أجل حفنة مشاهدات 

- الخصوصية تبخرت بسبب اللايك والشير.. والعائلة لم تعد خطا أحمر بل "محتوى" يوميا للتربح

- "الترند".. بوابة العبث الجماعي ومسرح العقول التائهة

- تيك توك.. كارثة اجتماعية تتسلل في صمت لخراب العقول 

- منصات التواصل تصنع شهرة بلا قيمة في زمن التيه المجتمعي

- الكاميرات تنهش حرمة الناس والبيوت في العلن ولا عزاء للخصوصية

لم نعد بحاجة لكتابة رثاء مطول في الثقافة أو الفن أو حتى الذوق العام، فالمشهد وحده كفيل بأن يشيع كل ذلك إلى مثواه الأخير، فما نعيشه اليوم من فوضى أخلاقية وثقافية لا يمكن السكوت عنه، كنا نظن أن الابتذال سيبقى في الهامش، فإذا به يقتحم بيوتنا، ويتصدر شاشات هواتفنا، ويصنع له جمهورا يصفق ويدفع ويعلي من شأن التفاهة.

ولعل ما حدث فيما يسمى بـ "فرح كروان مشاكل" لم يكن مجرد حفلة شعبية خرجت عن السياق، بل مشهد صادم يعكس واقعًا أخطر بكثير هو موت الذوق العام على يد ما يسمى بـ "البلوجرز" ونجوم التيك توك، الذين حولوا المناسبات العائلية إلى عروض تجارية صاخبة، وحولوا أنفسهم إلى سلعة تباع كلما ازداد الجهل وقلّ الوعي.

ما نراه ليس "ترفيها" كما يدعون، بل انحدارا مدروسا يغذي يوما بعد يوم تحت مسمى الشهرة والمكسب السريع، ومن يتجاهل خطورة هذا المسار، فهو يشارك، ولو بصمته، في وأد القيم والمعايير التي عرفناها، وما جرى في "فرح كروان مشاكل" ذلك الاسم العجيب الذي لا يدل إلا على العشوائية المفرطة، لم يكن مجرد حفل زفاف خرج عن السيطرة، بل كان إعلان وفاة رسميا لخط فاصل بين ما هو شعبي وما هو مبتذل، بين البساطة والتفاهة، بين الترفيه والانحدار.

وأتساءل من هو كروان مشاكل؟ ومن أين خرج العندليب الأبيض، وغيرهما؟ ربما هذه الأسئلة لا تستحق كثيرا من البحث، فالإجابة واضحة خرجوا من رحم الفراغ، من عالم التيك توك الذي بات مسرحا مفتوحا لتكريس التفاهة وخلع المنطق، حيث يكفي أن ترتدي ملابس غريبة أو تصرخ بكلمات غير مفهومة أو تتراقص بلا سياق لتصبح نجما، "كروان مشاكل" و"العندليب الأبيض" ليسا سوى أعراض لمرض اجتماعي رقمي خطير، أعراضه فقدان الذوق، وغياب المعايير، وانهيار الوعي.

المؤسف أن تلك النماذج لا تخلق نفسها، بل تجد من يغذيها ويصفق لها ويمنحها أسباب الوجود، جمهور واسع، من كل الأعمار، يتابع وينتظر ويشارك، بدافع الفضول أو السخرية أو حتى المتعة المشوهة، أصبحنا نعيش في زمن تتفوق فيه "الترندات" على القيم، ويتحول فيه الباطل إلى حق إذا حاز على عدد كافٍ من المتابعين.

وفي هذا المناخ، لا تسأل عن الفن، أو الاحترام، أو الجمال، لا تبحث عن فن راقٍ أو نموذج يحتذي به، لقد بات الذوق العام في ذمة الله، طالما أن أبطال المشهد هم من نوعية كروان مشاكل والعندليب الأبيض، وطالما أن معايير النجاح تقاس بعدد المتابعين لا بما يقدم من مضمون.

ومن أسف لم تعد للمناسبات العائلية حرمتها، ولا للبيوت قدسيتها، باتت الأفراح والعزومات والولائم تبث كعروض مفتوحة على الهواء، ليس بدافع الفخر، بل من أجل جمع الإعجابات، وتحصيل الأموال، وجني "الربح السريع"، تحولت حفلات الزفاف من لحظة فرح حقيقية بين الأهل إلى "مسرح استعراضي" تتزاحم فيه كاميرات التيك توك، ويعلو فيه صوت الموبايل على صوت الزغاريد، تفاصيل العلاقة الزوجية، تفاعلات العائلة، وأحيانًا خلافاتهم، صارت متاحة للجمهور – بلا تحفظ – من أجل الوصول إلى "الترند"، وكأن الخصوصية ترف لم يعد متاحا، أو قيمة صارت من الماضي، ما نراه اليوم هو طمس للحد الفاصل بين العام والخاص، وتحويل المناسبات الشخصية إلى سلعة قابلة للبيع لمن يدفع أو يتابع ويفعل اللايك والشير.

وأقولها مجددا التيك توك لم يكتف بتدمير الذوق العام فنيا وثقافيا فقط، بل اقتحم البيوت وغير مفهوم العلاقات الأسرية ذاتها، الأمهات يظهرن أطفالهن يوميا في فيديوهات تمثيلية، والأزواج يشاركون تفاصيل يومهم، وحتى لحظات الخلاف تعرض وتسوق وكأنها مادة ترفيهية، أصبح البيت المصري، الذي كان يوما حصنا للقيم، مجرد "استوديو مصغر" لبث يوميات ولقطات قد تدر دخلا، لكنها بلا قيمة تربوية أو أخلاقية، وبمرور الوقت، يعاد تشكيل وعي الأجيال على أن الحياة تعاش أمام الكاميرا، وأن القرب العاطفي لا يهم بقدر ما يهم التفاعل الرقمي، في هذا المناخ، تذوب الحدود، وتتراجع المبادئ، وتستبدل القدوة بالـ"بلوجر"، والقيمة بعدد المتابعين، لا بالأثر أو الأخلاق.

وما يفعله بعض البلوجرز اليوم يتجاوز حدود "الترفيه العابر"، إلى ما يشبه الغزو الثقافي الداخلي، حيث تتصدر شخصيات بلا مؤهلات أو مضمون المشهد الرقمي، وتفرض نفسها على الوعي الجمعي كأمثلة يحتذى بها، هؤلاء لا يروجون فقط للسطحية والابتذال، بل يكرسون نموذج "الشهرة مقابل اللاشيء"، ويشجعون على السلوك الغرائبي واللغة المتدنية والمظاهر المصطنعة، إن التيك توك – شيطان العصر بحق – لم يغير فقط طريقة الاستهلاك، بل أعاد تشكيل أنماط التفكير لدى فئات واسعة من المجتمع، وخصوصًا النشء، اليوم، صار من المعتاد أن تجد طفلا يتمنى أن يكون "بلوجر" لا طبيبا أو مهندسا، لأن الشهرة والمال صارا الهدف الأوحد، حتى لو على حساب القيم والذوق والمستقبل.

كل ما نراه اليوم من كوارث سلوكية، وانهيار للذوق العام، وتصدر "صناع التفاهة" للمشهد، ليس وليد اللحظة، بل نتيجة تراكم طويل من التساهل، والانبهار الزائف، والتهافت وراء كل ما هو رائج، حتى لو كان رديئا، الحقيقة المؤلمة أن الذوق العام لم يقتل اليوم، بل نحر على مراحل، ومات موتا بطيئا ونحن نصفق للقاتل، واليوم، لا نملك إلا أن نراقب هذا الانهيار ونحن نغالب الحسرة، خاصة حين نرى كيف أصبحت الفوضى أخلاقا، والتفاهة فنا، واللاشيء مهنة، فقط لأن هناك من يشاهد ويتابع ويدفع.

ولأننا اخترنا أن نصمت طويلا، تكلمت هواتفهم بصخب، واخترقوا كل بيت بلا إذن، لم نعد بحاجة إلى أعداء من الخارج، فبعض منا يتكفلون بتدمير الهوية والثقافة من الداخل، عن وعي أو جهل، أما أنا، فأكتب هذه الكلمات لا كمجرد رأي عابر، بل كصرخة حقيقية في وجه طوفان من الابتذال، لعلها توقظ ما تبقى من وعي، أو على الأقل، تحفظ بعضا من الكرامة التي تتآكل تحت أقدام "الترند".

الصفحة السابعة من العدد رقم 446 الصادر بتاريخ  8 يناير 2026

 

تم نسخ الرابط