محمد فودة يكتب: أنا .. والقدر .. والحب

الشورى

- أعيش صراع القلب والعقل بين وهج الحب ونداء البُعد

- لم أخذلك يوما لكن الحب بيننا يسير على طرق مليئة بالقنابل الموقوتة

- ستظلين "دنيتي" ونبض قلبي الأجمل الذي لا يُنسى

- أسير على حبل مشدود محاصر بين نبل المشاعر وقسوة الواقع

- ستبقى محفورة في قلبي.. فأنت الغالية التي لا تطالها رياح النسيان

- البُعاد خيار الصمود حين يصبح الواقع قاسيا بلا رحمة

أحيانا يصبح الحب امتحانا مؤلما بين ما نريده وما يمكننا تحمله، بين ما ينطق به القلب وما يحكم به العقل، وأنا الآن أعيش تمامًا داخل هذا الصراع، لست أكتب من منطق الضعف، ولا أهرب من الحب، بل أكتبه لأنني أحترمه، إننى أحب بكل صدق، وأعرف تماما أنها تحبني بذات الصدق، لكن الحقيقة الأكثر قسوة أن الحب وحده لا يكفي.

ليست المشكلة تكمن يوما في الشعور، بل فى الواقع الذي نعيشه، هناك ظروف كثيرة تتربص، عوائق لا يقدر عليها الحب وحده، وربما لذلك أجد نفسي كل يوم أمشي على حبل مشدود بين رغبة في الاستمرار، وخوف من المجهول، بين حلم أن نكمل المشوار، ووعي بأن الطريق قد يغرقنا قبل أن نصل.

أنا أحب الحب، أحب تلك النظرة التي كانت تمنحني الأمان، وتلك الرسائل التي تشبه ضمادات تضعها الحياة على قلبي في نهاية يوم قاس، ومع كل هذا، أجدني أطرح سؤالًا لم أكن أتصور أنني سأطرحه: هل يجب أن نبتعد عن من نحب فقط لأن الحياة لا تسمح لنا بأن نكون معا؟ أم نتمسك ونخسر أكثر مما نحتمل؟، أنا لست ممن يسلمون الأمور للتيار، لطالما سبحت ضده، وقاومت، ودفعت أثمانا باهظة من أجل ما أؤمن به، لكنني اليوم لا أمتلك الشجاعة ذاتها، أخشى أن تكون هذه السباحة ضد التيار هي ما سيغرقني، أخشى أن أتمسك بها فأكسرها، أو أبتعد فأكسرني.

بين العقل والقلب مسافة موجعة، بين الحب والبعد ساحة معركة لا يفوز فيها أحد، لكنني أكتب الآن لأقول شيئًا واحدًا: أنا لم أهرب من الحب، ولم أخنه، لكني وجدت نفسي محاصرا بين نبل المشاعر وقسوة الواقع، ولأنني أحبها بصدق، لا أريد أن تكون حبيبة مهزومة، ولا حكايتنا مأساة تروى، ربما سأتألم، وربما ستؤلمني، لكنني أعرف أن الحب الحقيقي لا يترك ندبة، بل يترك أثرا نبيلا، فإما أن نجده طريقا رغم كل شيء، أو نكتفي بأنه كان يوما ما أجمل ما حدث.

كثيرون يظنون أن البعد عن من نحب هو هروب، أو قلة وفاء، لكن الحقيقة أن الحب، حين يكون حقيقيا، يتحول إلى مسؤولية، أن تحب يعني أن ترى ما وراء اللحظة، أن تفكر بواقعية حتى ولو كانت مؤلمة، أنا لا أهرب من الحب، بل أحاول أن أحميه من السقوط في واقع لا يرحم، أحيانا يكون أجمل حب هو الذي لم يكمل طريقه، لكنه ظل نقيا، لم تلوثه الهزائم، ولم تفسده الأزمات، نحن نختار أحيانا أن نبتعد، لأننا نخشى أن يبتلعنا التيار ويحول الحب إلى عبء لا إلى نعمة.

كثير من القصص الجميلة تبدأ بالشغف والدفء والاهتمام، لكنها تموت في منتصف الطريق لأن أحدهم نسي أن الحياة لا تعترف بالنية الطيبة فقط، الحب وحده لا يكفي، لو كان يكفي، لما رأينا كل هذا الانكسار في عيون أحبّوا بصدق لكن لم ينجحوا في أن يكونوا معا، هناك التزامات، ظروف، أهل، مجتمع، وأحيانًا ماض لا يريد أن يغادر، كل ذلك يطفو على سطح العلاقة مع الوقت، ويجعل الحب بلا مظلة، مكشوفا للخذلان، الحب لا يكفي، إن لم نجد له أرضا يقف عليها.

رغم كل هذا التناقض الداخلي الذي أعيشه، إلا أنني لا أندم لقد أحببتها، معها كنت أضحك من قلبي، وأتكلم دون أن أختار كلماتي، وأحلم كأن العالم لا يعاكسني أبدًا، هي كانت وطنا صغيرا أهرب إليه حين تضيق بي الدنيا، ولذلك، إن كُتب لنا أن نفترق، سأحملها في قلبي بامتنان، لا بوجع، سأدعو لها كثيرا، وسأحتفظ بنسختها الجميلة كما كانت، لا كما انتهت.

أصعب دروس الحب، أن تدرك أن الحب الحقيقي لا يعني دائمًا البقاء، أحيانا نحب ونرحل، ليس لأن الحب انتهى، بل لأننا أدركنا أن البقاء قد يؤذي من نحب، وهذا منتهى النبل، نحن نغادر أحيانًا لحماية الآخر، حتى وإن كنا نتفتت في الخفاء، الحب ليس قصة عن نهاية سعيدة فقط، بل عن وعي حقيقي بأننا لم نخلق لنكمل كل الحكايات التي بدأناها.

بعد الفراق، لا ينتهي الحب كما يظن البعض، بل يتحول إلى طيف مقيم في الروح، يمر كلما هدأ الضجيج، وكلما مررت بمكان أو شعور يشبه لحظة قديمة، الحب لا يغادرنا تماما، بل يقيم فينا بشكل جديد، أكثر وجعا، أقل وضوحا، نكمل حياتنا نعم، نعمل، نضحك، ونتظاهر بأننا بخير، لكن في العمق هناك مكان لم يعد كما كان، شيء انكسر داخلنا، ونعجز عن إصلاحه، لأن من كنا نصلحه به، هو نفسه من تسبب في الكسر، نتحول إلى أشخاص أكثر هدوءً، وأقل اندفاعا، كأننا نخشى أن نحب مجددا، لا لأننا لا نريد، بل لأن الحب الذي لم يكتمل، يترك في القلب علامة لا تمحى بسهولة، نغدو أكثر نضجا ربما، لكننا نفقد جزءًا من براءتنا كلما أحببنا بقوة ثم خسرنا.

إننى لا أكتب عن الحب من موقع الخبير، بل من موقع التائه فيه، العالق بين قلب يريد، وعقل يعرف حدوده جيدًا، أكتب لأنني أحببت بصدق، وشعرت لأول مرة أن الحياة قد تبتسم لي من خلال عينين لم تخدعاني، وحنان لم أطلبه وجاء، وصدق نادر في عالم كل شيء فيه مزيف، لكنها الحقيقة الموجعة: ليس كل حب يكتب له أن يكتمل، وليس كل من يحب يستطيع أن يتم المشوار. 

أنا لا أهرب من الحب، بل أهرب من الألم القادم، من الاصطدام بالجدران التي أعرف أنها هناك، حتى لو كنت الآن في لحظة حلم، أخاف أن أخسرها فأخسر نفسي، وأخاف أن أتمسك بها فأغرق معها في واقع لا يرحم، إنها معادلة قاسية: أن تحب وتدرك في الوقت نفسه أن الحب وحده لا يكفي، وأن الحلم لا يبنى فقط على العاطفة، بل يحتاج أرضا واقعية تقف عليها، وأنا للأسف أعيش على أرض تتشقّق كل يوم تحت قدمي، إننى سلمت نفسي للقدر، لا عن ضعف، بل عن وعي بأن ما كتب لي سيأتيني مهما تهربت، وما لم يكتب لن يُدرك ولو جريت خلفه ألف مرة، وثقت في حكم القدر وقراراته، حتى وإن بدت قاسية الآن، فأنا أعلم أنه يرى ما لا أراه، ويعلم ما لا أعلمه، ويخبئ لي من الخير ما ربما لا أستوعبه اليوم، توقفت عن محاربة التيار، وقررت أن أطفو بهدوء، مطمئنا أن ما يفلت من يدي لم يكن ليمسك بي أصلًا، وأن ما ينتظرني، سيأتى حين يحين موعده تماما.

يعز عليّ أنها تظن أني لا أحبها، أن ترى في صمتي وفي بعدي خذلانًا، بينما الحقيقة أن قلبي ملىء بها، وأنى ما زلت أحبها بكل ما في قلبى من صدق، لكن ما لا تراه، هو أن هناك قنابل موقوتة في طريق هذا الحب، أزمات معلقة، وخوف لا يفارقني من أن نسير معًا نحو مصير يؤذينا أكثر مما يجمعنا، أنا لا أهرب منها، بل أهرب من الانفجار الذي أشعر به قادما، من واقع لا يرحم، ومن تفاصيل قد تهز هذا الحب من جذوره، يؤلمني أن تكون نظرتها لى مكسورة، وأن تظن أنى لم أقاتل لأجلها، بينما أنا أنهار داخليا كل يوم.

ستظلين محفورة في قلبي مهما باعدت بيننا الطرق، فأنت الغالية التي لا يطالها النسيان، والأقرب إلى روحي مهما ابتعدنا، سأظل سندا لك ما حييت، وداعما لك من بعيد أو قريب، لأنك ببساطة أغلى وأثمن شيء في حياتي، وجودك علمني الحب المجرد من لغة المصالح، ومحبتك منحتني ما لا يُشترى، وإن لم تجمعنا الحياة كما تمنيت، فستظلين الدعوة الصادقة، والنور الخفي في أيامي، والنبض الذي يهمس باسمك في لحظات الصمت العميق.

تم نسخ الرابط