عاصم سليمان يكتب: الرئيس السيسي يراهن على صناعة الداعية العصري ويمنح أوائل الأئمة فرصة التميز الأكاديمي عالميا

عاصم سليمان - صورة
عاصم سليمان - صورة أرشيفية

- توجيهات رئاسية بابتعاث المتفوقين من خريجي وزارة الأوقاف واستكمال دراساتهم العليا تأكيدا لاهتمام الدولة ببناء خطاب ديني مستنير يجمع بين العلم الشرعي والوعي العصري 

- بعثات الخارج تفتح آفاقا جديدة لإعداد دعاة يمتلكون أدوات العلم واللغة والتواصل الحضاري

- تأهيل الأئمة أكاديميا ولغويا يعزز مكانة مصر كمنارة للفكر الوسطي والاعتدال

في كثير من الأحيان تقاس قوة الدول بما تمتلكه من مشروعات عملاقة أو إنجازات اقتصادية أو قدرات تكنولوجية، لكن هناك نوعا آخر من الاستثمار لا تقل أهميته عن كل ذلك، وهو الاستثمار في الإنسان، وحين يتعلق الأمر ببناء الوعي وتشكيل الفكر وترسيخ القيم، تصبح العناية بالعقول والكوادر المؤثرة في المجتمع ضرورة وطنية لا تقل أهمية عن بناء الطرق والمدن والمصانع.

ومن هذا المنطلق جاءت توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال حفل تخرج الدورة الثالثة لأئمة وزارة الأوقاف "دفعة الإمام حسن العطار" في الأكاديمية العسكرية المصرية، بإيفاد أوائل الخريجين من الأئمة في بعثات تعليمية بالخارج واستكمال الدراسات العليا للمتميزين منهم، لتكشف عن رؤية أعمق من مجرد التكريم أو التحفيز، بل تعبر عن مشروع متكامل لصناعة داعية عصري يمتلك أدوات العلم والمعرفة واللغة وقادر على مخاطبة العالم بلغة يفهمها ويقتنع بها.

هذه التوجيهات تحمل في جوهرها رسالة مهمة مفادها أن الدولة المصرية لا تنظر إلى الإمام باعتباره مجرد خطيب يؤدي رسالة تقليدية داخل المسجد، وإنما باعتباره أحد أهم عناصر تشكيل الوعي المجتمعي وحماية الأمن الفكري وترسيخ قيم الاعتدال والانتماء.

ولذلك فإن الاستثمار في تأهيل الأئمة علميا وثقافيا ولغويا يمثل استثمارا مباشرا في استقرار المجتمع ومستقبله.

لقد أدركت الدولة خلال السنوات الماضية أن معركة الوعي لا تقل خطورة عن أي معركة أخرى، وأن مواجهة الأفكار المتشددة لا تتم بالشعارات وحدها، بل بإعداد كوادر دينية مؤهلة تمتلك العلم الشرعي الرصين والفهم العميق للواقع والقدرة على التعامل مع المتغيرات المعاصرة.

ومن هنا جاءت عملية التطوير المستمرة داخل وزارة الأوقاف وبرامج التدريب والتأهيل التي شهدت نقلة نوعية غير مسبوقة.

وإذا كان تخريج الأئمة في الأكاديمية العسكرية المصرية يحمل دلالات مهمة تتعلق بالانضباط وبناء الشخصية وتعزيز قيم الوطنية والانتماء، فإن توجيه الرئيس بإرسال المتفوقين منهم إلى الخارج يضيف بعدا جديدا لهذه المنظومة، يتمثل في الانفتاح على التجارب الأكاديمية العالمية والاستفادة من أفضل المؤسسات التعليمية والبحثية الدولية، فالعالم اليوم لم يعد قرية صغيرة فحسب، بل أصبح ساحة مفتوحة لتبادل الأفكار والثقافات، والداعية الذي يجيد لغة أجنبية ويفهم طبيعة المجتمعات المختلفة ويطلع على مدارس الفكر الحديثة يصبح أكثر قدرة على تقديم الصورة الحقيقية للإسلام الوسطي الذي تتبناه مصر عبر تاريخها الطويل.

كما أن هذه الخطوة تعكس ثقة الدولة في أبنائها من الأئمة الشباب، وإيمانها بقدرتهم على تمثيل مصر بصورة مشرفة في المحافل العلمية والدينية الدولية.

فالبعثات التعليمية ليست مجرد رحلة دراسية، بل هي مسؤولية وطنية ورسالة حضارية يحملها المبعوث أينما ذهب.

ومن اللافت أيضا أن توجيهات الرئيس لم تقتصر على الجانب العلمي فقط، بل شملت التأهيل اللغوي باعتباره أحد المفاتيح الأساسية للتواصل مع العالم، فاللغة لم تعد مجرد أداة للتخاطب، وإنما أصبحت وسيلة لنقل الأفكار والقيم وبناء جسور التفاهم بين الشعوب.

وكلما امتلك الإمام أدوات لغوية أقوى، ازدادت قدرته على نشر الفكر الوسطي وتصحيح الصور المغلوطة ومواجهة حملات التشويه التي تستهدف الدين الإسلامي.

تأتي أهمية هذه التوجيهات في توقيت يشهد فيه العالم تحديات فكرية وثقافية متزايدة، حيث تتصارع الأفكار عبر الفضاء الرقمي وتتجاوز الرسائل الإعلامية الحدود الجغرافية بسهولة غير مسبوقة.

وفي ظل هذا الواقع يصبح من الضروري إعداد أئمة ودعاة قادرين على مخاطبة الأجيال الجديدة بلغتها وأدواتها ومنطقها، دون التفريط في الثوابت أو التخلي عن جوهر الرسالة الدينية.

كما أن الاهتمام الرئاسي المتواصل بتطوير أداء وزارة الأوقاف يعكس قناعة راسخة بأن تجديد الخطاب الديني لا يتحقق بالقرارات الإدارية فقط، وإنما يبدأ من بناء الإنسان المؤهل القادر على الفهم والاجتهاد والتواصل والتأثير.

ولهذا فإن برامج التدريب المتخصصة والبعثات العلمية والتأهيل الأكاديمي تمثل حلقات متكاملة في مشروع وطني كبير يستهدف صناعة نموذج جديد للداعية المصري، ولا يمكن إغفال الدلالة الرمزية لاختيار اسم الإمام حسن العطار لهذه الدفعة، فالعطار كان واحدا من أبرز رموز التجديد الفكري في تاريخ مصر، ودعا إلى الانفتاح على العلوم والمعارف الحديثة دون التخلي عن الهوية والثوابت، وكأن الرسالة هنا تؤكد أن التجديد الحقيقي لا يعني القطيعة مع التراث، بل فهمه بصورة أعمق وتقديمه بما يتناسب مع متطلبات العصر.

إن المتابع لمسار الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة يلاحظ بوضوح أن قضية بناء الوعي أصبحت أحد المحاور الرئيسية في عملية التنمية الشاملة.

فكما يتم الاستثمار في البنية التحتية والاقتصاد والصناعة، يتم أيضا الاستثمار في الإنسان والتعليم والثقافة والخطاب الديني. وهذه النظرة المتكاملة هي التي تمنح أي مشروع وطني فرص الاستمرار والنجاح، ومن هنا يمكن النظر إلى توجيهات الرئيس السيسي بشأن ابتعاث أوائل خريجي الأوقاف للخارج باعتبارها خطوة جديدة في مسار طويل يستهدف إعداد جيل من الأئمة يجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين التخصص الشرعي العميق والانفتاح المعرفي الواسع، وبين الاعتزاز بالهوية الوطنية والقدرة على التواصل مع العالم.

 وحينما يوجه رئيس الدولة بالاستثمار في تأهيل الأئمة وتوسيع آفاقهم العلمية واللغوية، فإنه يرسل رسالة واضحة بأن بناء الإنسان سيظل الركيزة الأساسية لأي نهضة حقيقية، وهي رسالة تعكس إيمانا عميقا بأن الكلمة المستنيرة والفكر المعتدل والعلم الرصين تظل دائما من أقوى أدوات بناء الأوطان وحماية المجتمعات.

الصفحة الرابعة من العدد رقم 468 الصادر بتاريخ 25 يونيو 2026
تم نسخ الرابط