محمد فودة يكتب: قراءة لرحلة العمر

الكاتب والإعلامى
الكاتب والإعلامى محمد فودة - صورة أرشيفية

- بين محطات السنين.. نكتشف أنفسنا أكثر مما نكتشف العالم

- في يوم مولدي أستعيد تفاصيل الرحلة بامتنانٍ ورضا.. وأمضي نحو القادم بقلب أكثر سلامًا

- وقفة صادقة مع النفس بين حصاد السنوات وتطلعات الغد

- مازلت أحن إلى أيام البساطة وذكريات الحب الصادق وزمن القلوب النقية

- أستقبل عاما جديدا من حياتي بروح أكثر تصالحا مع الزمن ونفسي والحياة

لا أعرف لماذا يختلف يوم ميلادي عن سائر أيام العام، ولماذا يفرض حضوره على كل هذا القدر من التأمل والمراجعة والبوح، ربما لأن الإنسان في مثل هذا اليوم لا يحتفل بقدر ما يتوقف، ولا يفرح بقدر ما يتأمل، ولا ينظر إلى الأمام فقط، بل يلتفت أيضا إلى الطريق الطويل الذي قطعه، وإلى النسخ القديمة من نفسه التي تركها خلفه على امتداد السنوات.

في كل عام، حين يأتي هذا اليوم، أشعر وكأن الزمن يدعوني إلى جلسة خاصة لا يحضرها أحد سواي، أجلس مع نفسي بعيدا عن ضجيج العالم، وأتأمل الرحلة بكل ما حملته من نجاحات وإخفاقات، من أحلام تحققت وأخرى ما زالت تنتظر، من وجوه عبرت حياتي ثم مضت، ووجوه أخرى بقيت لتؤكد أن بعض العلاقات لا يصنعها الوقت فقط، بل يصنعها الصدق أيضا.

كبرت عاما جديدا، لكنني لم أعد أنظر إلى العمر باعتباره رقما يضاف إلى سنواتي، فقد تعلمت مع مرور الوقت أن قيمة الإنسان لا تقاس بعدد الأعوام التي عاشها، بل بما أضافته تلك الأعوام إلى روحه وعقله وقلبه، هناك من يعيش طويلا دون أن يتغير، وهناك من تغيره تجربة واحدة أو لحظة واحدة أو كلمة واحدة، وأظن أن أكثر ما تعلمته خلال السنوات الأخيرة أن الحياة ليست كما كنا نتخيلها في البدايات، حين كنا صغارا كنا نظن أن النضج يعني امتلاك الإجابات، ثم اكتشفنا أن النضج الحقيقي هو التعايش مع الأسئلة.

كنا نظن أن القوة تعني عدم الانكسار، ثم فهمنا أن القوة الحقيقية هي القدرة على النهوض بعد كل انكسار. كنا نظن أن النجاح محطة نصل إليها، ثم أدركنا أنه رحلة طويلة من المحاولات والتعلم وإعادة اكتشاف الذات.

لقد منحتني السنوات الماضية دروسا كثيرة، بعضها جاء في هيئة أفراح جميلة، وبعضها جاء متخفيا في صورة خيبات مؤلمة. لكنني اليوم أشعر بالامتنان للجميع؛ للأيام التي ابتسمت لي، وللأيام التي اختبرت صبري، وللأشخاص الذين منحوني الحب، وحتى لأولئك الذين منحوني الدرس، تعلمت أن بعض الأبواب حين تغلق لا تكون نهاية الطريق، بل بداية طريق آخر أكثر ملاءمة لنا، وتعلمت أن كثيرا مما نحزن لفقدانه كان في الحقيقة يفسح المجال لشيء أجمل لم نكن نراه في حينه، وتعلمت أيضا أن الإنسان كلما تقدم به العمر، أصبح أكثر قدرة على التمييز بين ما يستحق القتال من أجله وما لا يستحق حتى الالتفات إليه.

في عيد ميلادي هذا العام، أجد نفسي أكثر هدوءا مما كنت عليه في سنوات سابقة، لم تعد تستهويني الضوضاء، ولم أعد أبحث عن الانتصارات الصغيرة التي ترضي الغرور، أصبحت أميل إلى السلام الداخلي أكثر من أي شيء آخر، أبحث عن الطمأنينة في العلاقات، وعن الصدق في المشاعر، وعن المعنى في التفاصيل البسيطة التي قد يمر عليها الآخرون دون انتباه، أصبحت أؤمن بأن أجمل ما يمكن أن يحققه الإنسان في حياته ليس الشهرة ولا المال ولا المناصب، بل أن يحافظ على قلبه نقيا رغم كل ما مر به، وأن يبقى قادرا على الحب رغم الخذلان، وعلى الثقة رغم التجارب، وعلى الحلم رغم ما تفرضه الحياة أحيانا من واقع قاسٍ.

ولعل أكثر ما يلفت انتباهي اليوم هو ذلك التحول الهادئ الذي حدث داخلي خلال السنوات الأخيرة. لم يعد هدفي أن أكسب كل المعارك، بل أن أحافظ على نفسي من الاستنزاف.

لم أعد منشغلا بإثبات شيء لأحد، بل أصبحت أكثر اهتماما بأن أكون صادقا مع نفسي. فالحياة أقصر من أن نقضيها في ملاحقة رضا الآخرين، وأثمن من أن نهدرها في معارك لا تضيف إلى أرواحنا شيئا.

وهناك حقيقة أصبحت أكثر وضوحا بالنسبة لي مع كل عام يمر، هي أن الوقت هو أثمن ما نملكه على الإطلاق. في سنوات سابقة كنت أتعامل مع الأيام وكأنها مورد لا ينضب، وكأن العمر يمتد أمامي بلا نهاية، لكنني أدركت مع مرور الزمن أن الحياة ليست سوى مجموعة من الأيام المحدودة، وأن أجمل ما يمكن أن نفعله هو أن نحسن استثمارها فيما يضيف إلى أرواحنا قيمة حقيقية.

لم أعد أقيس نجاح الأيام بما حققته فيها من مكاسب مادية أو انتصارات عابرة، بل بما تركته في نفسي من أثر طيب، وبما منحته لمن حولي من محبة ودعم وصدق.

فالوقت الذي يضيع لا يعود، أما الذكريات الجميلة والمواقف النبيلة فتبقى شاهدة علينا مهما طال العمر.

ومع كل سنة جديدة أكتشف أن النضج لا يعني أبدا أن يصبح الإنسان أقل شعورا، بل أن يصبح أكثر فهما لمشاعره وأكثر قدرة على إدارتها.

النضج الحقيقي ليس أن تتوقف عن الحلم، بل أن تعرف كيف تحلم بوعي. وليس أن تتوقف عن الثقة بالناس، بل أن تمنح ثقتك لمن يستحقها.

وليس أن تتجنب الألم، بل أن تدرك أن بعض الآلام كانت ضرورية لتشكيل شخصيتك وصناعة قوتك الداخلية.

لهذا أشعر اليوم بأنني أكثر تصالحا مع نفسي من أي وقت مضى، وأكثر تفهما لأخطائي القديمة، وأكثر رحمة بالنسخة الأصغر مني التي كانت تحاول أن تتعلم الحياة خطوة بعد أخرى، وفي مثل هذا اليوم تحديدا، تعود إلي ذكريات بعيدة تحمل رائحة الطفولة وملامح البدايات الأولى.

أتذكر أحلام الصبا التي كانت تبدو أكبر من العالم، وأتذكر الطرق التي سرت فيها وأنا أبحث عن نفسي وعن مكاني وعن مستقبلي.

بعض تلك الأحلام تحقق بالفعل، وبعضها تغيرت ملامحه مع الزمن، وبعضها لم يعد مهما كما كان في السابق. لكن الجميل أنني ما زلت أحتفظ بالقدرة على الحلم، وما زلت أؤمن بأن القادم يحمل دائما ما يستحق الانتظار.

وفي يوم ميلادي، لا أستطيع أن أتحدث عن الرحلة دون أن أتوقف أمام الأشخاص الذين صنعوا جزءا من تفاصيلها، أفكر في أسرتي التي كانت دائما السند الأول، وفي الأصدقاء الحقيقيين الذين أثبتت الأيام معدنهم الأصيل، وفي كل شخص ترك كلمة طيبة أو موقفا نبيلا ما زلت أذكره حتى الآن، وأفكر أيضا في أشخاص غابوا عن المشهد، إما بفعل المسافات أو تغير الظروف أو رحيل لا رجعة فيه، جميعهم كانوا جزءا من الحكاية، وجميعهم ساهموا بطريقة أو بأخرى في تشكيل الإنسان الذي أراه اليوم في المرآة.

ولهذا فإن عيد ميلادي بالنسبة لي ليس احتفالا فرديا بقدر ما هو مناسبة أستحضر فيها كل تلك الوجوه التي شاركتني الرحلة وتركت بصماتها على صفحات العمر، أنظر اليوم إلى وجوه أحبتي فأشعر بالامتنان.

الامتنان لكل شخص كان جزءا صادقا من رحلتي.

لكل من منحني كلمة طيبة في وقت احتجتها، ولكل من وقف بجانبي دون مصلحة، ولكل من شاركني لحظات الفرح والحزن والنجاح والتعب.

فالحياة مهما اتسعت لا تصبح جميلة إلا بالناس الذين يضيفون إلى أيامنا معنى حقيقيا.

وفي المقابل، لم أعد أحمل في قلبي الكثير من العتاب، السنوات علمتني أن التسامح ليس ضعفا، بل راحة.

وأن بعض الأشخاص لا يستحقون أن نستنزف أعمارنا في محاولة فهم تصرفاتهم أو تفسير مواقفهم.

لكل إنسان طريقه، ولكل منا نصيبه من اللقاءات والفراق، وما علينا إلا أن نمضي بخفة قدر الإمكان.

ومع بداية عام جديد من عمري، لا أملك قائمة طويلة من الأمنيات، كل ما أتمناه أن يمنحني الله راحة القلب، وصفاء الروح، وبركة العمر، وأن أظل قادرا على العمل والحلم والعطاء، أتمنى أن أكون نسخة أفضل من نفسي، أكثر حكمة وأقل اندفاعا، أكثر امتنانا وأقل شكوى، أكثر قربا من الله وأكثر تصالحا مع الحياة، إنني لا أحتفل اليوم بزيادة سنة في العمر بقدر ما أحتفل بكل ما علمتني إياه السنوات الماضية.

أحتفل بالرحلة نفسها، بكل ما فيها من محطات وأشخاص وتجارب.

أحتفل بالندوب التي تحولت إلى خبرة، وبالخيبات التي تحولت إلى وعي، وبالأحلام التي ما زالت تمنحني سببا للاستمرار، عام جديد يبدأ، ولا أعرف ماذا يخبئ لي الغد، لكنني أدخله بقلب أكثر نضجا، وروح أكثر امتنانا، وإيمان أكبر بأن أجمل ما في الحياة ليس أن نصل إلى كل ما نريد، بل أن نحافظ أثناء الرحلة على إنسانيتنا، وعلى قدرتنا الدائمة على الحب، وعلى دهشتنا الأولى أمام الحياة، وكل عام وأنا أكثر قربا من نفسي، وأكثر امتنانا لله، وأكثر يقينا بأن العمر الحقيقي ليس عدد السنوات التي نعيشها، بل مقدار الحياة التي نضعها داخل تلك السنوات.

الصفحة السابعة من العدد رقم 468 الصادر بتاريخ 25 يونيو 2026
تم نسخ الرابط