الضريبة العقارية بعد التعديل.. علاقة أكثر عدلاً بين المواطن والدولة

خالد الطوخى - صورة
خالد الطوخى - صورة أرشفية

- المواطن عندما يشعر بأن الدولة تقدّر التزامه وتكافئه عليه يصبح أكثر استعدادًا للتعاون والمشاركة في دعم الاقتصاد الوطني

- المواطن ليس مجرد ممول يؤدي ما عليه من التزامات بل شريك حقيقي في عملية التنمية

- وضوح السياسات الضريبية واستقرارها يمثلان عاملًا أساسيًا في جذب الاستثمارات وتشجيع النشاط الاقتصادي

- تخفيف الأعباء الضريبية قد يسهم في تنشيط حركة السوق العقاري ما يخلق فرص عمل جديدة ويعزز من قدرة الاقتصاد على النمو

- الأهم من أي تشريع اقتصادي هو أثره الحقيقي على حياة الناس

في تقديري الشخصي، لم تكن موافقة مجلس النواب نهائيًا على التعديلات الجديدة لقانون الضريبة العقارية مجرد خطوة تشريعية عادية تُضاف إلى أرشيف القوانين الاقتصادية، بل كانت لحظة مهمة تعكس فهمًا متزايدًا لطبيعة العلاقة التي يجب أن تقوم بين الدولة والمواطن.

توقفت طويلًا أمام هذه التعديلات، ليس فقط لأنها تتعلق بملف اقتصادي حساس، بل لأنها تمس حياة ملايين المواطنين بشكل مباشر، وتؤثر في شعورهم بالأمان الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.

كنت وما زلت على قناعة تامة بأن القوانين الاقتصادية لا ينبغي أن تُصاغ بمعزل عن واقع المجتمع، ولا يمكن أن تنجح إذا لم تعكس التوازن المطلوب بين متطلبات الدولة في إدارة مواردها وبين حق المواطن في حياة مستقرة لا تثقلها الأعباء المتزايدة.

ومن هنا جاءت أهمية التعديلات التي أقرها البرلمان، والتي حملت في جوهرها رسالة واضحة مفادها أن الدولة تدرك حجم التحديات الاقتصادية التي يعيشها المواطن، وتسعى إلى إعادة صياغة العلاقة معه بروح أكثر عدلاً ومرونة.

اللافت للنظر أن هذه التعديلات لم تقتصر على تعديل بعض الأرقام أو المواد القانونية، بل جاءت في إطار رؤية أوسع تهدف إلى تحقيق قدر أكبر من التوازن في المنظومة الضريبية.

فرفع حد الإعفاء الضريبي إلى مائة ألف جنيه لم يكن مجرد قرار مالي، بل كان خطوة تعكس إدراكًا حقيقيًا للتغيرات الاقتصادية التي شهدتها السنوات الأخيرة، حيث ارتفعت تكاليف الحياة وتزايدت الضغوط على الأسر المصرية، الأمر الذي استدعى إعادة النظر في بعض السياسات لضمان قدر أكبر من العدالة.

لقد توقفت طويلًا أمام هذه النقطة تحديدًا، لأن رفع حد الإعفاء يحمل دلالة مهمة تتجاوز قيمته المالية.

فهو يعكس توجهًا نحو تخفيف العبء عن شريحة واسعة من المواطنين، خاصة أصحاب الدخول المتوسطة، الذين يمثلون العمود الفقري لأي مجتمع.

هؤلاء الذين يتحملون مسؤوليات كبيرة في حياتهم اليومية، ويحتاجون دائمًا إلى قدر من الدعم الذي يساعدهم على الاستمرار في العمل والإنتاج دون أن يشعروا بأن الأعباء تفوق قدرتهم على الاحتمال.

ومن زاوية أخرى، فإن التعديلات الجديدة لم تكتفِ بتخفيف الأعباء، بل قدمت أيضًا حوافز واضحة للممولين الذين يلتزمون بالسداد في المواعيد المحددة.

فالخصم الذي يصل إلى خمسة وعشرين في المائة للعقارات السكنية وعشرة في المائة للعقارات غير السكنية يمثل تحولًا مهمًا في فلسفة التعامل مع الضرائب.

هنا لم تعد العلاقة تقوم فقط على فكرة الالتزام الإجباري، بل أصبحت قائمة على التحفيز والتشجيع، وهو نهج يعكس فهمًا أعمق لطبيعة العلاقة الصحية بين الدولة والمواطن.

في رأيي، فإن هذه الفلسفة الجديدة تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، لأن التجارب الاقتصادية في مختلف دول العالم أثبتت أن المواطن عندما يشعر بأن الدولة تقدّر التزامه وتكافئه عليه، يصبح أكثر استعدادًا للتعاون والمشاركة في دعم الاقتصاد الوطني.

فالالتزام الطوعي يظل دائمًا أكثر فعالية واستدامة من الالتزام القائم على الضغط أو العقوبة.

لذا يمكنني القول إن التعديلات الأخيرة على قانون الضريبة العقارية تعكس تحولًا تدريجيًا نحو بناء علاقة أكثر توازنًا بين الدولة والمجتمع.

علاقة تقوم على مبدأ الشراكة لا المواجهة، وعلى فكرة أن المواطن ليس مجرد ممول يؤدي ما عليه من التزامات، بل شريك حقيقي في عملية التنمية.

ومن الناحية الاقتصادية، فإن هذه التعديلات تحمل أيضًا رسالة طمأنة للمستثمرين في القطاع العقاري، الذي يعد أحد أهم القطاعات الاقتصادية في مصر.

فوضوح السياسات الضريبية واستقرارها يمثلان عاملًا أساسيًا في جذب الاستثمارات وتشجيع النشاط الاقتصادي.

وعندما يشعر المستثمر بأن القوانين عادلة وواضحة، فإنه يكون أكثر استعدادًا لضخ المزيد من الاستثمارات وتوسيع مشروعاته.

كما أن تخفيف الأعباء الضريبية قد يسهم في تنشيط حركة السوق العقاري، وهو ما ينعكس إيجابيًا على قطاعات اقتصادية عديدة مرتبطة به، مثل قطاع البناء ومواد البناء والخدمات المرتبطة بالعقارات.

وهذا بدوره يخلق فرص عمل جديدة ويعزز من قدرة الاقتصاد على النمو.

لكن بعيدًا عن الأرقام والحسابات الاقتصادية، يبقى البعد الإنساني لهذه التعديلات هو الأكثر أهمية في تقديري.

فالمواطن الذي يشعر بأن الدولة تراعي ظروفه وتخفف عنه الأعباء يصبح أكثر ثقة في مؤسساتها، وأكثر استعدادًا للتفاعل الإيجابي مع سياساتها.

وهذه الثقة هي رأس المال الحقيقي لأي مجتمع يسعى إلى تحقيق التنمية والاستقرار.

لقد علمتنا التجارب أن القوانين مهما كانت دقيقة لن تحقق أهدافها إذا لم يشعر الناس بعدالتها.

فالعدالة ليست مجرد مفهوم قانوني، بل إحساس يتشكل في وجدان المجتمع عندما يرى المواطن أن التشريعات تُطبق بروح الإنصاف وتراعي الظروف الواقعية.

ومن هنا فإن التعديلات الجديدة على قانون الضريبة العقارية يمكن النظر إليها باعتبارها خطوة في طريق طويل نحو بناء منظومة اقتصادية أكثر توازنًا.

منظومة تقوم على إدراك أن التنمية لا تتحقق فقط من خلال زيادة الإيرادات، بل من خلال خلق بيئة اقتصادية يشعر فيها المواطن بالاستقرار والاطمئنان.

في تقديري، نحن بحاجة دائمًا إلى مثل هذه الخطوات التي تعيد التوازن بين متطلبات الاقتصاد واحتياجات المجتمع.

لأن الدولة القوية ليست تلك التي تفرض الأعباء على مواطنيها، بل تلك التي تعرف كيف تدير مواردها وفي الوقت نفسه تحافظ على كرامة المواطن وقدرته على العيش بطمأنينة.

لذلك يمكنني القول إن التعديلات الأخيرة ليست مجرد تعديل قانوني، بل هي رسالة مهمة تعكس إدراكًا متزايدًا لطبيعة المرحلة التي نعيشها، وحاجة المجتمع إلى سياسات أكثر مرونة وعدالة.

وفي النهاية، يبقى الأهم من أي تشريع اقتصادي هو أثره الحقيقي على حياة الناس.

فإذا نجحت هذه التعديلات في تخفيف الأعباء، وتشجيع الالتزام، وبناء جسور الثقة بين المواطن والدولة، فإنها تكون قد حققت هدفها الأسمى.

وأنا أرى أن هذه الخطوة تمثل بداية مهمة نحو علاقة أكثر توازنًا بين الدولة والمجتمع، علاقة تقوم على الاحترام المتبادل، وعلى إدراك أن نجاح أي سياسة اقتصادية يعتمد في المقام الأول على ثقة المواطن فيها وإيمانه بأنها جاءت لتحقيق المصلحة العامة.

لأن المجتمع الذي يشعر أفراده بالعدل والإنصاف هو المجتمع القادر على مواجهة التحديات وصناعة المستقبل بثقة وثبات.

الصفحة الخامسة من العدد رقم 455 الصادر بتاريخ  12 مارس 2026
تم نسخ الرابط