عاصم سليمان يكتب: جولة الرئيس السيسي الآسيوية.. دبلوماسية المصالح وشراكات المستقبل وصون حقوق مصر الإستراتيجية

عاصم سليمان - صورة
عاصم سليمان - صورة أرشيفية

- من سول إلى كوالالمبور وجاكرتا.. تحرك رئاسي يفتح آفاقا جديدة للاستثمار والتكنولوجيا ويضع الأمن المائي في صدارة الثوابت الوطنية

- مياه النيل "خط أحمر" في حسابات الأمن القومي.. الرئيس السيسي يجدد تمسك مصر بحقوقها المائية ويرفض الإجراءات الأحادية

- توطين التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.. شراكات اقتصادية جديدة تفتح آفاق الاستثمار مع القوى الآسيوية الصاعدة

ليست كل الزيارات الخارجية سواء في دلالاتها أو في نتائجها أو في قدرتها على التعبير عن اتجاهات الدولة ورؤيتها لمستقبلها، فهناك زيارات تقتصر على حدود اللقاءات الرسمية وتبادل المجاملات الدبلوماسية، وهناك تحركات تحمل في تفاصيلها رسائل أوسع تتصل بموقع الدولة في عالم سريع التحول، وبطبيعة الشراكات التي تسعى إلى بنائها، وبالمصالح التي تعمل على حمايتها، والفرص التي تريد أن تضعها في متناول اقتصادها وشعبها، ومن هذا المنطلق أقرأ الجولة الآسيوية للرئيس عبد الفتاح السيسي، التي شملت جمهورية كوريا ومملكة ماليزيا وجمهورية إندونيسيا، باعتبارها تحركا تتقاطع فيه الدبلوماسية السياسية مع الطموحات الاقتصادية، وتتجاور فيه فرص الاستثمار والتكنولوجيا مع ثوابت الأمن القومي المصري، في مشهد يعكس اتساع دوائر الحركة المصرية وسعيها إلى بناء علاقات أكثر تنوعا مع القوى الاقتصادية الصاعدة في آسيا.

وأحسب أن أهمية هذه الجولة لا تنبع من تعدد محطاتها وحده، وإنما من طبيعة الدول التي شملتها، ومن اختلاف تجاربها الاقتصادية والصناعية، ومن المساحات التي يمكن أن تفتحها أمام مصر في مجالات التصنيع والتجارة والاستثمار ونقل التكنولوجيا، فالقارة الآسيوية لم تعد مجرد سوق واسعة للمنتجات أو وجهة للتبادل التجاري، بل أصبحت مركزا رئيسيا للصناعة المتقدمة والابتكار والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد العالمية، وأصبحت تجارب عدد من دولها نماذج تستحق الدراسة في كيفية الانتقال من مراحل التنمية التقليدية إلى اقتصاد يقوم على المعرفة والإنتاج والتصدير ورفع القدرة التنافسية، ومن هنا تبرز أهمية التواصل المباشر مع هذه التجارب، ليس بهدف استنساخها، وإنما لاستخلاص ما يتناسب مع احتياجات الاقتصاد المصري وإمكاناته وأولوياته.

وقد جاءت جمهورية كوريا المحطة الأولى للجولة، لتمنح البعد الاقتصادي والتكنولوجي مساحة بارزة في أجندتها، من خلال المباحثات الرسمية التي عقدها الرئيس السيسي مع الرئيس الكوري لي جاي ميونغ، واللقاءات التي جمعت الجانب المصري برؤساء وممثلي كبرى الشركات الكورية، إلى جانب المشاركة في مائدة مستديرة لبحث فرص التعاون في قطاعات صناعية وتكنولوجية متقدمة، وفي مقدمتها السيارات والإلكترونيات والذكاء الاصطناعي، وهي مجالات لا تمثل مجرد أنشطة اقتصادية منفصلة، بل ترتبط ارتباطا وثيقا بقدرة الدول على بناء اقتصاد حديث، وزيادة القيمة المضافة للإنتاج، ورفع كفاءة العمالة، وتطوير القدرات التكنولوجية المحلية، ولعل ما يستحق التوقف أمامه في هذه المحطة هو أن العلاقة المصرية- الكورية تحمل إمكانات واسعة للتطور من إطار التعاون التجاري والاستثماري إلى شراكة صناعية أكثر عمقا، تستفيد فيها الشركات الكورية من المزايا التي يوفرها الاقتصاد المصري، وتستفيد فيها مصر من الخبرات الكورية المتقدمة في التصنيع والإدارة والتكنولوجيا، فالتجربة الكورية تقدم دروسا مهمة في الارتباط بين الاستثمار في الصناعة والتطوير التكنولوجي والانفتاح على الأسواق الخارجية، كما أن الشركات الكورية تمتلك خبرات يمكن توظيفها في تطوير قطاعات إنتاجية مصرية تحتاج إلى زيادة قدرتها التنافسية والتوسع في الأسواق الإقليمية والدولية، وقد اكتسبت المحطة الكورية بعدا سياسيا مهما أيضا، مع الارتقاء بالعلاقات بين البلدين إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية، بما يعكس اتجاها نحو توسيع مجالات التنسيق والتعاون، ويمنح العلاقات الثنائية إطارا أكثر اتساعا للعمل المشترك في قطاعات متعددة، وهو تطور يفتح الباب أمام بناء تفاهمات طويلة الأجل تتجاوز الاعتبارات الآنية، وتستند إلى المصالح المتبادلة والرغبة في توسيع مجالات التعاون، كما أن توقيع اتفاقات ومذكرات تفاهم في مجالات تشمل بناء السفن والطاقة النظيفة والبنية التحتية للكهرباء والتكنولوجيا يوضح أن فرص الشراكة لا تقتصر على قطاع واحد، وإنما تمتد إلى مجالات ترتبط مباشرة بمستقبل التنمية والتحول الاقتصادي.

وأرى أن التحدي الأهم في هذه المرحلة يتمثل في تعظيم العائد من هذه العلاقات، من خلال متابعة الاتفاقات وتحديد أولويات التنفيذ وتوفير بيئة جاذبة للاستثمار، فالشراكات الإستراتيجية لا تكتسب قيمتها الكاملة بمجرد الإعلان عنها، وإنما بما تنشئه من مشروعات وما توفره من فرص وما تضيفه إلى القدرات الإنتاجية والتكنولوجية، وكلما ارتبطت الاتفاقات ببرامج واضحة للتنفيذ ومؤشرات قابلة للقياس، أصبحت أكثر قدرة على تحقيق أهدافها الاقتصادية، وهو ما يجعل المرحلة التالية للجولة لا تقل أهمية عن الزيارة ذاتها.

ومن سول انتقل الرئيس السيسي إلى كوالالمبور، في المحطة الثانية من الجولة، حيث حملت الزيارة الرسمية إلى مملكة ماليزيا دلالة مهمة في سياق توسيع العلاقات المصرية مع جنوب شرق آسيا، وهي منطقة تمتلك أسواقا واسعة وتجارب اقتصادية متنوعة، وتوفر فرصا للتعاون في مجالات التجارة والاستثمار والصناعة والتعليم والتكنولوجيا، كما أن ماليزيا تمثل تجربة تستحق الاهتمام في قدرتها على الجمع بين تطوير القطاعات الإنتاجية والانفتاح على الاقتصاد العالمي، بما يجعل التواصل معها فرصة لتبادل الخبرات واستكشاف مسارات جديدة للتعاون بين البلدين، وتكتسب هذه الزيارة أهمية إضافية من كونها أول زيارة لرئيس مصري إلى ماليزيا منذ نحو ثلاثة عقود، وهو ما يمنحها دلالة سياسية ودبلوماسية واضحة، ويعكس الرغبة في تنشيط العلاقات الثنائية وفتح صفحة أوسع من العمل المشترك، فالعلاقات بين الدول لا تتطور تلقائيا، بل تحتاج إلى إرادة سياسية تدفعها إلى الأمام، وإلى تواصل منتظم يتيح تحديد المصالح المشتركة وتجاوز المساحات التي لم تستثمر بعد، وإلى رؤية اقتصادية قادرة على تحويل التقارب السياسي إلى مشروعات ومبادرات ملموسة.

إن الانفتاح على ماليزيا يمكن أن يضيف بعدا مهما إلى خريطة الشراكات الاقتصادية المصرية، خاصة في ظل ما تتيحه العلاقات مع دول جنوب شرق آسيا من فرص لتوسيع الأسواق وتنويع مصادر الاستثمار والخبرات، فكلما تنوعت الشراكات الخارجية، اتسعت أمام الاقتصاد المصري خيارات الحركة، وأصبح أكثر قدرة على الاستفادة من اختلاف التجارب والأسواق ومصادر التكنولوجيا، كما أن التعاون مع ماليزيا يمكن أن يشكل مدخلا لتوسيع حضور المنتجات المصرية في أسواق المنطقة، وبناء علاقات أكثر انتظاما بين مجتمعَي الأعمال، واستكشاف مجالات للتعاون الصناعي والاستثماري تتوافق مع احتياجات البلدين، ولا ينبغي النظر إلى تنويع الشراكات باعتباره مجرد توسع جغرافي في العلاقات الخارجية، وإنما باعتباره جزءا من رؤية اقتصادية أوسع تسعى إلى تقليل الاعتماد على عدد محدود من الأسواق أو الشركاء، والاستفادة من تعدد مراكز النمو في الاقتصاد العالمي، فالعالم يشهد تحولات متسارعة في حركة التجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد، وأصبحت القدرة على بناء علاقات مرنة ومتعددة من العناصر المهمة في تعزيز قدرة الاقتصادات على التعامل مع الأزمات والتغيرات، وهو ما يجعل توسيع التعاون مع آسيا خيارا يستحق المتابعة والتطوير في إطار المصالح المصرية.

ثم جاءت إندونيسيا، المحطة الثالثة والأخيرة، لتضيف إلى الجولة بعدا سياسيا وإستراتيجيا يرتبط بمكانة البلدين في محيطهما الإقليمي والدولي، وبما يجمعهما من مصالح مشتركة في دعم التنمية وتوسيع التعاون الاقتصادي والتنسيق إزاء القضايا ذات الاهتمام المشترك، فإندونيسيا دولة ذات ثقل سكاني واقتصادي كبير في جنوب شرق آسيا، وتمتلك فرصا مهمة للتعاون في مجالات التجارة والاستثمار والصناعات المختلفة، كما أن العلاقات المصرية- الإندونيسية تستند إلى روابط تاريخية وثقافية، يمكن البناء عليها لتطوير شراكة أكثر اتساعا واستجابة لمتطلبات المرحلة الراهنة، وقد عكست المباحثات المصرية- الإندونيسية توجها نحو دفع العلاقات إلى آفاق أوسع، من خلال العمل على تنشيط التعاون السياسي والاقتصادي والاستثماري، وتوسيع مجالات الشراكة بين المؤسسات والجهات المعنية في البلدين، كما برزت أهمية التعاون في قطاعات الإنتاج والتجارة والبنية التحتية والطاقة والخدمات اللوجستية، إلى جانب مجالات أخرى يمكن أن تتيح فرصا للاستثمار المشترك وتبادل الخبرات، وهي مسارات تكتسب قيمتها من قدرتها على تحقيق منافع متبادلة، وتوفير فرص جديدة أمام الشركات، وتوسيع نطاق العلاقات الاقتصادية بما يتناسب مع إمكانات البلدين.

غير أن الرسالة الأبرز في المحطة الإندونيسية، من وجهة نظري، تمثلت في تأكيد الرئيس السيسي الأهمية الوجودية لقضية نهر النيل بالنسبة إلى مصر، باعتباره شريان الحياة للشعب المصري، وتشديده على تمسك الدولة المصرية بحقوقها المائية ورفضها القاطع أي إجراءات أحادية من شأنها الإضرار بأمنها المائي أو الانتقاص من حقوقها التاريخية والمكتسبة، وهي رسالة تتجاوز حدود التصريحات الدبلوماسية المعتادة، لأنها تتصل بقضية تمس حاضر مصر ومستقبلها، وترتبط مباشرة بأمنها القومي وبحق شعبها في المياه باعتبارها أساس الحياة والتنمية والاستقرار.

وأحسب أن تأكيد هذه الثوابت من العاصمة الإندونيسية يحمل دلالة مهمة، لأنه يضع قضية المياه في سياق العلاقات الدولية الأوسع، ويتيح شرح الموقف المصري أمام دولة آسيوية ذات حضور إقليمي ودولي، كما يعكس حرص القاهرة على توضيح أن أمنها المائي ليس قضية داخلية منفصلة عن محيطها، وإنما مسألة ترتبط بحقوق مشروعة ومبادئ قانونية يتعين احترامها، وبضرورة إدارة الموارد المائية المشتركة على نحو يراعي مصالح جميع الأطراف، ويحول دون إلحاق الضرر بأي دولة، فالتعاون الحقيقي لا يقوم على فرض الأمر الواقع، وإنما على التفاهم والالتزام بالقواعد التي تصون الحقوق وتمنع التصعيد، وفي الوقت نفسه، فإن التمسك بالحقوق المائية لا يتعارض مع السعي إلى الحوار والتعاون، بل إن المسارين يكمل أحدهما الآخر، فالدبلوماسية الفاعلة هي التي تجمع بين وضوح الثوابت والاستعداد للتفاوض، وبين الدفاع عن المصالح الوطنية والعمل على إيجاد حلول عادلة ومستدامة، ومن هذا المنطلق تظل مصر معنية بتعزيز التعاون مع دول حوض النيل، بما يحقق المصالح المشتركة ويدعم التنمية،  دون التفريط في حقوقها أو القبول بما يمس أمنها المائي، وهي معادلة تتطلب قدرا كبيرا من الحكمة والاستمرارية والقدرة على بناء التفاهمات.

ولعل من المهم أيضا ألا تنحصر قراءة الجولة الآسيوية في بعدها السياسي أو الاقتصادي كل على حدة، لأن القيمة الأوسع لهذا التحرك تظهر في الترابط بين المسارين، فالعلاقات السياسية تمنح التعاون الاقتصادي مظلة من الثقة والاستقرار، والاستثمارات والمشروعات المشتركة تمنح العلاقات الثنائية مصالح ملموسة تحمي استمراريتها، أما التنسيق في القضايا الإستراتيجية فيفتح المجال أمام بناء تفاهمات أوسع بشأن التحديات الإقليمية والدولية، ومن هنا فإن تعدد محطات الجولة لا يبدو مجرد انتقال بين عواصم مختلفة، وإنما فرصة لبناء شبكة من العلاقات المتنوعة التي تتكامل فيها المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات السياسية والأمنية.

إن تنوع المحطات الثلاث يمنح الجولة قيمة خاصة، فالتجربة الكورية تفتح آفاقا للتعاون الصناعي والتكنولوجي المتقدم، والتجربة الماليزية توفر مجالا أوسع للتواصل مع اقتصاد آسيوي نشط يمتلك خبرات متنوعة، بينما تتيح إندونيسيا فرصا لتطوير الشراكة الاقتصادية والسياسية مع دولة ذات وزن إقليمي كبير، وإلى جانب هذه الفرص، جاءت قضية النيل لتؤكد أن الانفتاح على العالم لا يعني تراجع الاهتمام بالثوابت الوطنية، بل إن السياسة الخارجية الناجحة هي التي تستطيع التحرك في أكثر من اتجاه، وتوسيع المصالح الاقتصادية، مع الحفاظ على وضوح المواقف المرتبطة بالأمن القومي، إن مصر لا تتحرك في عالم اليوم من خلال مسار واحد، ولا يمكن لمصالحها أن تظل رهينة نطاق جغرافي محدود، فالتغيرات الدولية تفرض على الدول الساعية إلى حماية مصالحها وتنمية اقتصاداتها أن تنوع علاقاتها، وأن تبني شراكات تستند إلى المصالح المتبادلة، وأن تتعامل بمرونة مع مراكز القوة والنمو الجديدة، مع الحفاظ على استقلال قرارها الوطني ووضوح أولوياتها.

إنني أرى أن الجولة الآسيوية للرئيس عبد الفتاح السيسي تؤكد أن السياسة الخارجية المصرية تتحرك عبر مسارات متعددة، تجمع بين استكشاف فرص التنمية وتوسيع العلاقات الدولية والدفاع عن المصالح الإستراتيجية، وبينما تفتح محطات كوريا وماليزيا وإندونيسيا أبوابا جديدة للتعاون والاستثمار، يبقى الرهان الحقيقي في قدرة الدولة على تحويل الاتفاقات إلى مشروعات، والفرص إلى نتائج، والعلاقات إلى مصالح متبادلة ومستدامة.

الصفحة الرابعة من العدد رقم 484 الصادر بتاريخ 15 أكتوبر 2026
تم نسخ الرابط