الحياة لا تستحق هذا العناء

الكاتب والإعلامى
الكاتب والإعلامى محمد فودة - صورة أرشيفية

- سباق الأوهام.. الجري خلف السراب.. لعنة تصيب بعض البشر

- الاستنزاف العاطفي.. "لص صامت" ينهش الإنسان ويهدر روحه تدريجيا

- اللهاث وراء انتصارات سريعة لا يصنع معنى ولا يمنح سلاما داخليا

- الحقد لا يصنع فائزين.. والطيبون وحدهم يفوزون في النهاية

في سباق الحياة المتسارع، يظل الإنسان منشغلا بالسعي خلف ما يعتقد أنه جوهر النجاح ومعنى الاستحقاق، حتى إذا ما بلغ منتصف الطريق، أو لامس لحظة صدق مع الذات، تكشفت له حقائق لم يكن يلتفت إليها من قبل، حيث تظهر الحياة أقل بهاء مما روج لها، وتبدو الانتصارات التي طالما سعى إليها أقرب إلى سراب مؤقت لا يروي عطش الروح ولا يمنح الطمأنينة المنشودة.

ولعلني أجد في هذا السياق، أسئلة جوهرية حول جدوى اللهاث المستمر، وحول الفارق الحقيقي بين من كسبوا مواقع ومكاسب، ومن احتفظوا بنقاء قلوبهم رغم الخسارات، هذا المقال قراءة هادئة في مفاهيم الفوز والهزيمة، ومحاولة لتأمل المصير الإنساني بين قسوة الواقع ونبل القيم، حيث قد يخسر الطيبون الكثير في الظاهر، لكنهم وحدهم من يخرجون من المعركة محتفظين بأنفسهم، ففي لحظة ما من العمر، نكتشف أننا قضينا سنوات طويلة نلهث خلف أشياء اعتقدنا أنها الحياة نفسها، فإذا بها مجرد سراب يبتعد كلما اقتربنا منه، نجري خلف المال، والوجاهة، والانتصارات السريعة، ورضا الآخرين، ثم نقف فجأة لنسأل أنفسنا: ماذا بقي؟ هذا السؤال لا يطرحه الخاسرون فقط، بل يطرحه كثيرون ممن ظنهم الناس فائزين، بينما كانوا من الداخل أكثر فراغا وتعبا.

لقد تعلمت مع الوقت أن الحياة لا تستحق أن نخوضها بقلوب مثقلة بالحقد والغيظ، ولا أن نبدد أعمارنا في سباق لا نهاية له، الحياة أقصر من أن نعيشها ونحن نقارن أنفسنا بالآخرين، ونحمل داخلنا رغبة مستمرة في الانتقام أو إثبات التفوق، ما لا يقال كثيرا، أن هذا النوع من "النجاح" قد يمنح صاحبه مكاسب واضحة، لكنه يسلبه شيئا أثمن هو السلام الداخلي، رأيت كثيرين امتلكوا كل ما يحسد عليه الإنسان، لكنهم لم يعرفوا طعم الراحة يوما، يعيشون في قلق دائم، يراقبون غيرهم، يغضبون من أي نجاح لا يخصهم، ويتغذون على الغيظ أكثر مما يتغذون على الفرح، هؤلاء لا يخسرون أمام الآخرين بقدر ما يخسرون أمام أنفسهم، لأن القلب حين يمتلئ بالسواد، لا يعود قادرا على الاستمتاع بأي انتصار، مهما بدا كبيرا، في المقابل، هناك طيبون يسيرون في الحياة بهدوء، لا يرفعون أصواتهم، ولا يخوضون معارك لإثبات شيء، قد يتأخر فوزهم، وقد لا يلاحظهم أحد، لكنهم يملكون شيئا نادرا: قلبا خفيفا، وضميرا مرتاحا، وقدرة على النوم دون صراع داخلي، الطيبة هنا ليست سذاجة، بل اختيارا شاقا في زمن يكافئ القسوة أحيانا، ويصفق للصخب أكثر مما ينصت للصدق.

الحياة ليست عادلة دائما، وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها، الطيبون لا يفوزون بالضرورة بالمناصب ولا بالأموال، لكنهم يفوزون بشيء أعمق وأبقى، يفوزون بأنهم لا يتحولون إلى نسخة قاسية من أنفسهم، ولا يدفعون ثمن النجاح من أرواحهم، أما أصحاب القلوب السوداء، فقد يظلون في صعود ظاهري، لكنهم يبقون أسرى لغضبهم، محكومين بقلق لا ينتهي، وغيظ لا يشبع.

كلما تأملت المشهد من مسافة أبعد، أدركت أن أكبر خدعة في الحياة هي أن نصدق أن الفوز يعني أن نكون فوق الآخرين، الفوز الحقيقي أن نكون في سلام مع أنفسنا، وأن نخرج من المعارك غير الضرورية بأقل خسائر ممكنة، وأن نفهم أن بعض السباقات لا تستحق أن نخوضها من الأساس، كثير مما نطارده ليس سوى سراب، يلمع من بعيد، ثم يتبخر حين نقترب منه.

أحيانا نكتشف أن أكثر ما أرهقنا في الحياة لم يكن الفشل، بل السعي المحموم وراء صورة رسمها الآخرون للنجاح، نرهق أنفسنا لنبدو أقوى، أذكى، أكثر حضورا، بينما الحقيقة أن هذا السباق لا ينتهي، وكل محطة فيه تطلب منا التنازل عن شيء من صفائنا.

ومع الوقت، ندفع ثمنا خفيا لا يظهر في الحسابات ولا في الألقاب، لكنه يتراكم داخل القلب، حتى نفقد قدرتنا على الفرح بما نملك، ونظل نطارد ما لا نحتاجه أصلا، ثم تأتي اللحظة التي نفهم فيها أن النقاء ليس ضعفا كما صور لنا، بل مقاومة صامتة لعالم قاسٍ، أن تختار ألا تحمل الحقد، وألا تشبه من أذاك، وألا تسمح للمرارة بأن تغيرك، هو انتصار لا يلتفت إليه أحد، لكنه ينقذك من الداخل، الطيبون لا يربحون لأنهم أفضل من غيرهم، بل لأنهم يخرجون من الحياة دون أن يخسروا أنفسهم، بينما يظل أصحاب القلوب السوداء أسرى لما يحملونه، حتى وإن ظنوا أن الدنيا قد صفقت لهم يوما.

والحق يقال: لا أحد ينجو من الحياة، لكن البعض يمر بها أخف، الطيبون قد يهزمون في جولات، وقد يساء فهمهم، لكنهم لا يخسرون أنفسهم، أما الذين يملأهم الحقد، فيظلون عالقين في دوامة الغيظ، حتى وهم يظنون أنهم انتصروا، وهذا وحده كافٍ لنعرف من الرابح الحقيقي، ومن الذي دفع ثمنا باهظا دون أن يشعر.

ولا يبدو أن الحياة كانت يوما عادلة بما يكفي، ولا كريمة كما أوهمتنا الحكايات الأولى، نكتشف متأخرين أن كثيرا مما سعينا إليه لم يكن يستحق هذا الاستنزاف، وأننا دفعنا من أعمارنا ومشاعرنا أثمانا باهظة لأشياء لم تبق ومع ذلك، يبقى الفارق الحقيقي بين من عاشوا بقلوبهم، ومن عاشوا بأحقادهم، الطيبون قد ينكسرون، قد يُستغلون، وقد يخرجون من السباق منهكين، لكنهم يخرجون محتفظين بشيء لا يقدر بثمن، سلامهم الداخلي، أما أولئك الذين ظنوا أن القسوة دهاء، وأن الأذى قوة، فيظلون أسرى لما في صدورهم، مهما بدت انتصاراتهم عالية، ربما لا تستحق الحياة كل هذا الجري، لكنها تستحق أن نعيشها بقلوب نظيفة، وأن نغادر بعض الطرق حين تفقد معناها، وأن نختار أنفسنا حين يصبح الاستمرار خيانة للروح، في عالم يمجد الفوز بأي ثمن، يظل أعظم انتصار هو أن نصل إلى النهاية دون أن نفقد إنسانيتنا.

الصفحة السابعة من العدد رقم 449 الصادر بتاريخ  29 يناير 2026
 

 

تم نسخ الرابط