السبت 15 يونيو 2024
الشورى
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمود الشويخ
رئيس مجلس الأمناء
والعضو المنتدب
محمد فودة
رئيس مجلسى
الإدارة و التحرير
محمود الشويخ
رئيس مجلس الأمناء
والعضو المنتدب
محمد فودة

محمود الشويخ يكتب: « فنكوش إيران ».. ماذا يحدث بين إسرائيل وطهران الآن؟ 

محمود الشويخ - صورة
محمود الشويخ - صورة أرشفية

 

- لماذا قرر نتنياهو بدء المواجهة المباشرة؟.. وما سر تخلى طهران عن سياسة الصبر الإستراتيجى؟ 

- كيف قررت إيران الهجوم على الاحتلال بالصواريخ والمسيرات؟.. وكواليس ليلة التصدى للهجوم ومن شارك فى العملية؟

- ما شكل الرد الصهيونى؟.. وهل يرد الملالى بعدها وتشتعل الحرب الإقليمية التى يخشاها الجميع؟

ما كان يخشاه الجميع حدث أخيرا وبوادر الحرب الإقليمية بدأت تلوح فى أفق منطقتنا المنكوبة على وقع الهجوم الإيرانى الأخير على إسرائيل الذى جاء كرد إلزامى على قيام تل أبيب بقصف مقر القنصلية الإيرانية فى دمشق وتسويته بالأرض خلال اجتماع لقادة عسكريين إيرانيين كبار.

أرادت إسرائيل - أو بمعنى أدق أراد نتنياهو - من ضرب القنصلية أن يخرج إيران من تحت الأرض إلى السطح مباشرة.. وكان طبيعيا أن تخرج لأن القنصلية تعد جزءا من أراضيها هاجمته إسرائيل وكان لابد لأى دولة لديها الحد الأدنى من احترام نفسها أن ترد.

غير أن هذا الرد بالتأكيد سيتبعه رد إسرائيلى - لم يحدث حتى كتابة هذه الكلمات ومن الممكن أن يكون قد حدث والجريدة بين يديك - والسؤال هنا: هل سترد إيران على الرد؟

لا أحد يعرف.

ومع أن الجميع يدعون أنهم لا يريدون الحرب الواسعة لكن جميع التصرفات تقود إلى هذه الحرب.. مع اعترافى بأن الرد الإيرانى جاء احترافيا دقيقا بما لا يفضى لحرب.. ناهيك عن فشله من الأساس نتيجة الخط الدفاع الأمريكى الإسرائيلى الفرنسى البريطانى بمساعدة دول عربية أيضا!

تم تنفيذ الضربة الإيرانية بنسق "مركب"، روعى فيه الحفاظ على مبدأ "وحدة الساحات"، وفى نفس الوقت استخدام كافة الجبهات المتاحة، فصباح يوم العملية، سيطرت القوات الخاصة التابعة لبحرية الحرس الثورى على سفينة الحاويات “MCS Aries”، عبر إنزال تم من مروحية عسكرية، وتعود ملكية هذه السفينة إلى شركة Zodiac Maritime ومقرها لندن، التى تعد بدورها جزءًا من مجموعة Zodiac التابعة للملياردير الإسرائيلى إيال عوفر.

فى حدود الساعة العاشرة من مساء نفس اليوم، أطلقت إيران ثلاث موجات متتابعة من الطائرات المسيرة والصواريخ الجوالة، بإجمالى يتراوح بين 200 و400 مسيرة وصاروخ جوال، تم رصدها تباعًا فى أجواء مناطق عراقية عدة منها ميسان والناصرية وذى قار وديالى والسليمانية وواسط والنجف، انطلاقًا من عدة مناطق إيرانية خاصة كرمنشاه ودوكوهه، تبعها صليتان من الصواريخ البالستية، تقدر كل واحدة منها بنحو 70 – 80 صاروخًا بالستيًا متوسط المدى، تم إطلاقها من مواقع شمال وشمال غرب إيران، وتحديدًا أصفهان وشيراز وكرمانشاه وقزوين وسربول ذهب وتبريز، ويعد معسكر "أمير المؤمنين" جنوب غرب طهران، هو مركز عمليات الإطلاق.

تزامنت عمليات الإطلاق مع أنباء عن عمليات إطلاق لطائرات مسيرة من اليمن، وإطلاق صواريخ من العراق، لكن لم تظهر دلائل واضحة على صدقيتها أو وصول أى من وسائطها إلى إسرائيل، فى حين نفذ حزب الله عمليات صاروخية محدودة استهدفت مقر الدفاع الجوى فى موقع "كيلع" العسكرى فى الجولان السورى بالصواريخ، ومناطق أخرى فى الجليل الأعلى.

درجة استعداد إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية للتعامل مع هذا الوضع ظهرت من خلال الوجود السريع لطائرات التزويد بالوقود الأمريكية فى الأجواء العراقية، وطائرات التزود بالوقود البريطانية فى شرق المتوسط انطلاقًا من قاعدة "أكروتيري" فى قبرص، حيث قدمت هذه الطائرات الدعم للمقاتلات الأمريكية والبريطانية التى عملت فى الأجواء الأردنية والسورية والعراقية؛ بهدف إعطاء الأولوية لاعتراض الصواريخ الجوالة، التى تحتاج إلى ساعتين فقط للوصول إلى إسرائيل، فى حين كانت الأولوية التالية لاعتراض الطائرات المسيرة، التى تحتاج إلى ما بين 6 إلى 8 ساعات للوصول إلى إسرائيل، أما مهمة التصدى للصواريخ البالستية، فقد تولتها منظومات "حيتس".

على مستوى القدرات التسليحية المستخدمة، يمكن تقسيمها إلى قسمين: الأول يضم الطائرات المسيرة والصواريخ الجوالة، والثانى يضم الصواريخ البالستية. بالنسبة للقسم الأول، تم تأكيد استخدام نوعين من أنواع المسيرات والصواريخ الجوالة، وذلك عبر التسجيلات المصورة التى نشرها الجيش الإسرائيلى، لعمليات الاعتراض الجوى لبعضها. كان جوهر هذه الوسائط هى الذخائر الجوالة “شاهد-136”، التى يبلغ مداها 2500 كيلو متر، والتى رغم مداها الكبير، فإن رأسها الحربى صغير نسبيًا، وتتراوح زنته بين 40 و50 كيلو جرامًا.

لم يتم تسجيل وصول أى منها إلى الأراضى الإسرائيلية، ومن الواضح أن الغرض الأساسى من إطلاقها، كان "إشباع" أو "استنزاف" الدفاعات الجوية الإسرائيلية، وإفساح المجال لوصول الصواريخ البالستية، خاصة فى ظل بيئة تشويش كبيرة فرضتها إسرائيل على منظومة تحديد المواقع العالمية "جى بى إس" منذ أسابيع. بالنسبة للصواريخ الجوالة، استخدمت طهران الصاروخ الجوال "ياوه"، وهو أحدث صواريخ عائلة "سومار"، ويبلغ مداه الأقصى 1650 كيلو مترا.

أما على المستوى البالستى، وبالنظر إلى تسجيلات مصورة نشرها الإعلام الإيرانى لعمليات إطلاق الصواريخ، وكذا تحليل بقايا الصواريخ التى تم إسقاطها فى عدة مناطق بالعراق وسوريا والأردن، يمكن القول إنه تم استخدام أربعة أنواع من الصواريخ البالستية: الأول هو الصاروخ البالستى متوسط المدى "عماد"، والذى يعمل بالوقود السائل، ويعد نموذجًا مطورًا من صواريخ "شهاب-3″، وتم الإعلان عنه عام 2015، ويصل مداه إلى 1700 كيلومتر، بهامش خطأ لا يتجاوز عشرة أمتار. النوع الثانى هو الصاروخ البالستى متوسط المدى "خيبر شكن"، الذى تم الإعلان عنه للمرة الأولى عام 2022، ويعمل بالوقود الصلب، ويبلغ مداه 1450 كيلو مترا، ومزود برأس حربى قابل للانفصال، وقد تم استخدام هذا النوع من الصواريخ لقصف مواقع فى مدينة أربيل العراقية فى يناير الماضى.

النوع الثالث هو الصاروخ البالستى متوسط المدى "غدير-1″، ويبلغ مداه 1900 كيلو متر، وهو عامل بالوقود السائل، وهو تطوير للصاروخ البالستى قصير المدى "شهاب-1”. النوع الرابع والأخير، يحتمل أن يكون الصاروخ البالستى متوسط المدى "دزفول"، والذى تم الكشف عنه للمرة الأولى عام 2019، ويبلغ مداه 1000 كيلو متر، ويحمل رأسًا حربيًا يزن 700 كيلوجرام، ويمتلك القدرة على الوصول لبعض النقاط المحدودة فى إسرائيل. جدير بالذكر هنا، أن بعض البقايا التى تم العثور عليها فى الأردن، رجحت استخدام نوع خامس من أنواع الصواريخ البالستية، ألا وهو صاروخ "رضوان" البالستى، وهو تطوير لصواريخ "سكود" السوفيتية، ويعمل بالوقود الصلب، ويبلغ مداه 1400 كيلو متر.

وبالنظر إلى عدم تمكن الصواريخ الجوالة أو الطائرات المسيرة من الوصول إلى أهدافها، يمكن القول إن نقطة الزخم الأساسية للصواريخ البالستية الإيرانية كانت تركز على المثلث الرابط بين القواعد الجوية الإسرائيلية فى النقب "رامون – نيفاتيم – حتسريم"، خاصة قاعدتى رامون ونيفاتيم، نظرًا لارتباط هذه القواعد بشكل رئيس أولًا بوجود أسراب مقاتلات "إف-35″، وثانيًا لارتباطها العملياتى بالنشاط الجوى فى قطاع غزة.

وقد أظهرت صور الأقمار الصناعية تعرض المدرج الفرعى لقاعدة "نيفاتيم" الجوية، وثلاث مبانٍ أخرى داخل القاعدة، لأضرار متوسطة. وعلى الرغم من وجود أنباء عن تعرض قاعدة "رامون" الجوية فى النقب، لعدد من الصواريخ يتراوح بين ثلاثة وسبعة، فإن الصور الجوية لم تظهر حتى الآن لحاق أية أضرار بالقاعدة نفسها، ويرجح أن تكون هذه الصواريخ قد سقطت فى مناطق أخرى قرب مدينة بئر السبع وفى النقب. على مستوى الخسائر البشرية، فقد اقتصرت على إصابة بالغة لطفلة عمرها 10 سنوات فى النقب، أصيبت سيارة كانت بداخلها، من جراء سقوط شظايا صاروخ اعتراضى.

هنا لابد من التنويه أنه رغم ضآلة الأضرار التى لحقت بهذه القاعدة، فإن وصول الصواريخ لها، ودقة الإصابة التى تعرض لها المدرج الفرعى، تشى بأن الهدف الأساسى من هذه الضربة كان إيصال هذه الرسالة، دون التسبب فى أضرار بشرية "بالنظر إلى المؤشرات العديدة على قرب تنفيذ هذه الضربة"، وحقيقة أن كافة مقاتلات سلاح الجو الإسرائيلى كانت محلقة فى الجو لاعتراض الصواريخ الجوالة والطائرات المسيرة، بجانب إقلاع الطائرة الحكومية الإسرائيلية الخاصة برئاسة الوزراء، من قاعدة "نيفاتيم" قبيل بدء الضربة الإيرانية.

بالنظر إلى نتائج هذه الضربة، يمكن القول إنها تعد من حيث الشكل، تطورًا هائلًا على مستوى توازن الردع بين طهران وتل أبيب، لكن على المستوى العسكرى لم تحقق هذه الضربة خسائر معتبرة أو نوعية فى الجانب الإسرائيلى، إلا تكبيد إسرائيل تكاليف كبيرة تتعلق بالتكلفة المادية الخاصة بالعمليات الجوية والصاروخية التى اضطر سلاح الجو والدفاع الجوى الإسرائيليان لتنفيذها فى هذه الليلة.

وهنا يمكن القول إنه بجانب الرسالة المتعلقة باستهداف قاعدة انطلاق الطائرات التى نفذت غارة دمشق الأخيرة، تشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن عمليات الاعتراض قد كلفت الجيش الإسرائيلى نحو مليار دولار، وهى تكلفة باهظة بالنظر إلى حالة الاستنزاف الحالية التى يعانى منها الجيش الإسرائيلى، نتيجة العمليات فى قطاع غزة.

حالة الاستنفار والتوتر التى عاشتها الجبهة الداخلية فى إسرائيل خلال هذه الضربة، كانت لافتة أيضا، فبالنسبة للإسرائيليين الذين جلسوا فى منازلهم مساء يوم 13 أبريل، كانت معايشة هذه الأحداث أمرًا غير مسبوق منذ عام 1991. بشكل عام كان هذا الهجوم متوقعًا، وكان الجيش الإسرائيلى فى حالة تأهب قصوى، كما أن طهران على علم تام بأن الوسائط الجوية الأمريكية والبريطانية جاهزة بشكل دائم للتصدى لأية وسائط جوية قادمة نحو إسرائيل من أى اتجاه، خاصة أنه تم استخدام الطائرات المسيرة بطيئة السرعة فى بداية تنفيذ هذه الضربة.

إلا أن هذا الهجوم على الجانب الآخر، يعد تدشينًا لمرحلة جديدة يتم فيها إعادة تقييم وتعيين قواعد الاشتباك بين الجانبين، ليكون مسرح الرد المتبادل بينهما هو الأراضى الإيرانية وأراضى فلسطين المحتلة، وليس أراضى دول أخرى. طبيعة الرد الإسرائيلى على هذه الضربة، ستكون العامل الأساسى فى تحديد المستوى الذى ستستقر عليه قواعد الاشتباك بين الجانبين خلال المدى المنظور، علمًا بأن دلائل عدة تشير إلى رغبة أمريكية فى تحجيم الموقف إلى الحد الحالى.

إننى أدعو الله أن يحمى بلادنا من كل شر.

 

 

تم نسخ الرابط