نهال الشافعي: السعودية واليمن.. معضلة استعادة الردع دون الانزلاق إلى الاستنزاف
قالت نهال الشافعي، الباحثة في الشؤون السياسية والاستراتيجية، إن التصعيد بين السعودية وجماعة الحوثيين، في سياق الحرب اليمنية والتوترات الإقليمية الأوسع، يعكس تحولًا خطيرًا في طبيعة المواجهة، مع انتقال الهجمات إلى منشآت حيوية ومرافق مدنية، بالتوازي مع اتساع العمليات العسكرية داخل اليمن.
وأوضحت الشافعي أن الهجوم الذي استهدف مطار الملك خالد الدولي بالرياض في 10 أكتوبر، وأسفر وفق التقارير المنشورة عن سقوط 13 قتيلًا وإصابة أكثر من 300 شخص، ثم استهداف مبنى إداري تابع لشركة أرامكو في الظهران يوم 13 أكتوبر، والذي أكدت السلطات السعودية أنه تسبب في حريق محدود دون تسجيل إصابات، يكشفان حجم المخاطر التي تفرضها المواجهة على أمن المنشآت الحيوية والاستقرار الاقتصادي.
وأضافت أن المعضلة الاستراتيجية أمام الرياض لا تتمثل في الرد على الهجمات فحسب، وإنما في استعادة الردع ومنع تكرارها دون الانجرار إلى حرب طويلة تستنزف الموارد وتوسع نطاق التهديدات. فالتفوق العسكري لا يضمن وحده إنهاء الصراع، خصوصًا عندما يمتلك الطرف الآخر أدوات تتيح له مواصلة الضغط على أهداف استراتيجية، بما يفرض الجمع بين الدفاع الفعال والتحرك السياسي وإعادة تقييم كلفة استمرار المواجهة.
الشافعي: الانقسام داخل الجبهة اليمنية يعقّد حسابات المواجهة
وأكدت نهال الشافعي أن أحد العوامل التي ستحدد نتيجة التصعيد هو مدى قدرة القوات الحكومية اليمنية والقوات المساندة لها على تنسيق جهودها وتوحيد أولوياتها، في ظل تعدد مراكز القوة وتباين الحسابات السياسية والإقليمية. فالمشهد الميداني لا يقتصر على المواجهة بين الحوثيين والسعودية، بل يرتبط أيضًا بالصراع على الأرض داخل اليمن، وبقدرة الحكومة اليمنية والقوى المساندة لها على استثمار أي تقدم عسكري.
وأشارت الشافعي إلى أن المبعوث الأممي إلى اليمن حذّر في 9 أكتوبر من عودة البلاد إلى حرب واسعة النطاق، لافتًا إلى اتساع القتال على جبهات متعددة، وإلى تحركات ميدانية قرب المخا والساحل المحاذي لباب المندب، أعقبتها عملية مضادة أعلنت الحكومة اليمنية خلالها استعادة مناطق.
وأضافت الباحثة السياسية أن أي تقدم ميداني لن يتحول بالضرورة إلى مكسب سياسي مستدام ما لم تصاحبه ترتيبات واضحة لإدارة المناطق وتأمينها ومنع عودة القتال إليها. كما أن غياب التنسيق بين القوات الحكومية اليمنية والتشكيلات المساندة لها قد يحد من قدرتها على استثمار المكاسب، ويمنح الحوثيين فرصة لإعادة تنظيم صفوفهم أو نقل المواجهة إلى جبهات أخرى.
وشددت الشافعي على أن التعامل مع الأزمة يتطلب النظر إلى ما بعد العمليات العسكرية، من خلال تصور متكامل لمستقبل الأمن والحكم في اليمن، بما يحول دون إعادة إنتاج الصراع في صورة جديدة.
الشافعي: باب المندب يحوّل الأزمة اليمنية إلى اختبار للأمن الإقليمي
وأوضحت نهال الشافعي أن الموقع الجغرافي لليمن يمنح الأزمة أبعادًا تتجاوز حدودها الوطنية، إذ ترتبط التطورات قرب مضيق باب المندب بأمن البحر الأحمر وحركة التجارة والملاحة الدولية.
وأضافت أن خطورة المشهد لا تكمن في احتمال تهديد الملاحة فقط، بل في تداخل الصراع اليمني مع التوترات الإقليمية الأوسع، بما قد يحول البحر الأحمر إلى ساحة ضغط متبادل بين أطراف متعددة، ويرفع كلفة النقل والتأمين ويزيد هشاشة البيئة الأمنية في المنطقة.
وأكدت الشافعي أن حماية الملاحة لا يمكن أن تعتمد على الإجراءات العسكرية وحدها، بل تحتاج إلى تنسيق إقليمي يمنع اتساع نطاق التهديد، بالتوازي مع تحرك سياسي يعالج جذور الصراع اليمني. فكلما طال أمد المواجهة من دون أفق سياسي، ازدادت فرص انتقال آثارها إلى أمن الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي.
الشافعي: ثلاثة مسارات تحدد مستقبل المواجهة السعودية اليمنية
وفيما يتعلق بمآلات التصعيد، قالت نهال الشافعي الباحثة في الشؤون السياسية والاستراتيجية إن المشهد يفتح المجال أمام ثلاثة مسارات رئيسية، يختلف كل منها في كلفته ونتائجه المحتملة.
يتمثل المسار الأول في استمرار التصعيد المتبادل، مع مواصلة الهجمات على المنشآت الحيوية والرد عليها بضربات داخل اليمن. وفي هذه الحالة، قد تتوسع دائرة الاستهداف وتزداد الضغوط على البنية التحتية وأمن الطاقة والنقل، بينما تتراجع فرص التوصل إلى تسوية سريعة. وتكمن خطورة هذا السيناريو في أن استمرار تبادل الضربات لا يعني بالضرورة اقتراب الحسم، بل قد يقود إلى استنزاف متبادل يصعب تحديد سقفه الزمني.
أما المسار الثاني، فيتمثل في تغير موازين القوة ميدانيًا لصالح القوات الحكومية اليمنية والقوات المساندة لها، بما قد يحد من قدرة الحوثيين على التحرك في مناطق ذات أهمية استراتيجية، خصوصًا قرب الساحل الغربي وباب المندب. غير أن الشافعي أوضحت أن تحقيق تقدم عسكري لن يكون كافيًا بمفرده ما لم تصاحبه جبهة متماسكة وترتيبات تضمن إدارة المناطق وتأمينها؛ وإلا فقد تتحول المكاسب الميدانية إلى مرحلة مؤقتة تسبق تجدد المواجهة.
ويتمثل المسار الثالث في الانتقال إلى مفاوضات تفرضها الكلفة المتزايدة للحرب، بهدف التوصل إلى ترتيبات أمنية وسياسية أكثر استقرارًا. وأكدت الشافعي أن هذا المسار لا يعني أن التهدئة باتت وشيكة أو مضمونة، لكنه قد يصبح أكثر قابلية للتحقق إذا أدركت الأطراف أن استمرار العمليات لن يحقق مكاسب تتناسب مع الأثمان التي تتحملها.
وأضافت أن نجاح أي تسوية يتطلب معالجة ملفات مترابطة، في مقدمتها أمن الحدود السعودية، ووقف الهجمات على المنشآت المدنية والحيوية، وتأمين الملاحة، والتوصل إلى تفاهمات سياسية يمنية قابلة للتطبيق. ومن دون ذلك، قد تتحول التهدئة إلى توقف مؤقت للقتال، لا إلى نهاية فعلية لأسباب المواجهة.
الشافعي: الاختبار الحقيقي هو منع تكرار المواجهة لا احتواء الهجمات فقط
واختتمت نهال الشافعي بالتأكيد أن السؤال الحاسم في المرحلة المقبلة ليس ما إذا كانت السعودية سترد على الهجمات، وإنما ما الذي سيأتي بعد الرد، وهل ستنجح الضغوط العسكرية في فرض معادلة أمنية أكثر استقرارًا أم ستدفع الأطراف إلى جولات جديدة من التصعيد.
وأوضحت أن نجاح المقاربة السعودية سيُقاس بقدرتها على حماية الأمن الوطني والمنشآت الحيوية، ومنع تحول المواجهة إلى استنزاف مفتوح، مع توظيف التحركات العسكرية ضمن مسار سياسي يحد من احتمالات تجدد الهجمات، ويدعم بناء ترتيبات أمنية أكثر استدامة داخل اليمن وعلى امتداد البحر الأحمر.
وشددت الشافعي على أن استمرار الحرب يحمل مخاطر تتجاوز السعودية واليمن، لتطال أمن الملاحة والتجارة والاستقرار الإقليمي، وهو ما يجعل احتواء الأزمة مصلحة تتشارك فيها دول المنطقة.
وأكدت الشافعي أن السيناريو الأكثر خطورة ليس استمرار الضربات وحده، بل تحولها إلى نمط دائم من المواجهة لا ينتج تسوية ولا يحقق ردعًا مستقرًا. أما نقطة التحول الحقيقية، فتبدأ عندما تنتقل الأطراف من محاولة
إلحاق الخسائر بالخصم إلى بناء ترتيبات تحد من قدرته على استئناف الهجمات. فالمطلوب ليس تأجيل المواجهة إلى موعد آخر، بل تغيير المعادلة التي تجعل عودتها ممكنة؛ وهذه هي النقطة الفاصلة بين احتواء أزمة مؤقتة وبناء أمن إقليمي أكثر استقرارًا.