الثلاثاء 16 يوليو 2024
الشورى
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمود الشويخ
رئيس مجلس الأمناء
والعضو المنتدب
محمد فودة
رئيس مجلسى
الإدارة و التحرير
محمود الشويخ
رئيس مجلس الأمناء
والعضو المنتدب
محمد فودة

المتغيرات الجديدة فى موازين القوى

لواء أ.ح د. سمير
لواء أ.ح د. سمير فرج - صورة أرشفية

كانت تقاس قوة أى دولة أو كما يطلق عليها فى محاضرات الإستراتيجية فى كليات الدفاع فى العالم "قوة الدولة الشاملة" حيث تشمل عناصرها القوى العسكرية ثم القوى السياسية والقوى الاقتصادية والقوى الجيوإستراتيجية والقوة البشرية والقوى الثقافية وغيرها من القوى، وحتى زمن قريب كانت قوة الدولة تقاس بالقوة الأولى وهى القوى العسكرية، على أساس أنها هى التى تؤمن حدود الدولة أو تحقق للدولة الهجوم على دولة أخرى لإجبارها على تنفيذ مطالبها أو للاستيلاء على ثروات هذه الدولة أو لتنفيذ ضربة استباقية ضدها عند وجود معلومات أنها سوف تعتدى عليها وأما القوى السياسية للدولة فهى تبرز من خلال أهميتها مثلا، هل هى أحد أعضاء مجلس الأمن الدائمين ولها حق الفيتو أو هل هذه الدولة لها وجود داخل أحلاف عسكرية تحقق لها الحماية، مثل دول حلف الناتو أو هل لديها اتفاقيات للتعاون الاقتصادى مثل الأعضاء فى مجلس التعاون الخليجى أو فى الاتحاد الأوروبى؟ وعندما نتحدث عن القوة الجيوإستراتيجية، تعنى مكانها على خريطة العالم وأهمية موقعها الجغرافى، وهل ذلك الموقع مؤثر عسكريا واقتصاديا وسياسيا مثل جيبوتى دولة صغيرة الحجم، لكن موقعها على مضيق باب المندب ومدخل للبحر الأحمر وعلى المحيط الهندى، وعلى الطريق البحرى المؤدى إلى رأس الرجاء الصالح لدرجة أن هناك 4 قواعد عسكرية لأربع دول هى أمريكا وفرنسا والصين واليابان كل ذلك يضع هذه الدولة بأن لها أهمية جيوإستراتيجية.

وفجأة ومنذ عدة سنوات تغيرت القيمة النوعية لكل عنصر من عناصر قوى الدولة الشاملة، حيث أصبحت القوة الاقتصادية للدولة هى أعلى درجة لتقييم الدولة حيث هناك من يقول إن قوة الدولة الاقتصادية تحقق لها تكوين قوة عسكرية مميزة من جميع أنواع الأسلحة والقوات، كما أن قوة الدولة الاقتصادية تمكنها من إدارة حرب طويلة المدى والدولة الضعيفة اقتصاديا لن تكون قادرة على إدارة حرب لفترة طويلة، كما أن الدولة ذات القوى الاقتصادية تستطيع إنشاء قواعد عسكرية. فى مناطق عديدة من العالم. كما أنها تستطيع إنشاء صناعات عسكرية متطورة.

 ولعل أبسط مثال على ذلك، أن إنجلترا كانت إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس

ولها فى كل مكان فى العالم. تواجد وقوات وقواعد عسكرية والآن فقدت كل ذلك؛ لأنها لم تعد قادرة اقتصاديا على تحمل أعباء هذا التواجد خارج أرضها. ولكن بنظرة إلى الصين، التى أصبحت القوة الاقتصادية الثانية فى العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية أصبح لديها تواجد كبير فى إفريقيا ودول آسيا، بل لها قواعد عسكرية فى إفريقيا وأصبحت الصين بقوتها الاقتصادية الآن أهم خطر يهدد الولايات المتحدة الأمريكية خاصة عندما رفعت الصين ميزانية الدفاع هذا العام إلى أكبر نسبة فى تاريخها وأصبحت قوتها البحرية أقوى قوة بحرية فى العالم، من هنا بدأ الجميع يرى أن الحرب القادمة ستكون فى منطقة جنوب شرق آسيا ضد قوة هذا التنين الأصفر الجديد، ومن هنا قامت اليابان بزيادة ميزانيتها العسكرية هذا العام لتعادل ميزانية وزارة الدفاع الروسية، كل ذلك لأن الصين الدولة القوية أمامها وأصبحت تهديدا مباشرا لها. 

 وخلال السنوات الخمس الماضية، ظهر عنصر جديد من عناصر قوة الدولة الشاملة وهى القوة المعلوماتية والتكنولوجية، فالمعلومات أساس اتخاذ أى قرار وكلما كانت المعلومات دقيقة وصحيحة كان القرار سليما، وكلما كانت المعلومات خاطئة وغير صحيحة كان القرار المتخذ خاطئا على أى مستوى سواء من الناحية العسكرية أو حتى الاقتصادية أو حتى السياسية، وأصبح ارتباط المعلومات بالقوة التكنولوجية هاما حيث إن التكنولوجيا الحديثة تحقق للدولة الحصول على معلومات واضحة ودقيقة وأبسط مثال على ذلك الدولة التى تمتلك أقمارا صناعية أصبحت قادرة على الحصول على المعلومات، وأصبح التجسس السيبرانى لكل دولة يحقق لها التجسس على الدولة الأخرى والحصول على أدق المعلومات.

 وإذا نظرنا للصين الآن مثلا فإن شركة هواوى التى تعمل فى مجال نظم المعلومات والاتصالات. دخلت فى منافسة فى بريطانيا، عندما أرادت بريطانيا إدخال نظام الـG5 نظام الاتصالات داخل المملكة المتحدة، حيث إن معظم دول العالم حاليا تعمل بنظام G4. بما فيها مصر والتى تطمع بالنظام الجديد بـ وهو الـG5 فلقد فازت الشركة الصينية هواوى عندما دخلت فى هذه المناقصة ضد الشركات الألمانية والأمريكية والفرنسية؛ ولأنها أكثر قدرة على تنفيذ المشروع بكفاءته العلمية متفوقة على شركات الدول الغربية الأخرى.  

ولكن قامت أمريكا بالضغط على إنجلترا لكى ترفض عرض الشركة الصينية؛ لأن ذلك يعنى أن دخول الشركة الصينية ولإنشاء هذه الشبكة الجديدة فى إنجلترا سيتيح لها الدخول على جميع شبكات الاتصالات فى أوروبا وبالتالى، يتيح لها وإلى الصين معرفة كل المعلومات عن دول الاتحاد الأوروبى.  وهذا أبسط مثال على تقدم الصين فى مجالات المعلومات والتكنولوجيا الحديثة. ويكفى أن نقول إن نظم الحاسبات والتكنولوجيا فى روسيا استطاعت التدخل فى الانتخابات الأمريكية السابقة من هنا أصبحت هذه الأنظمة المعلوماتية الآن تتحكم فى كل شيء فى العالم. 

 لك أن تتخيل أن الطائرات التجارية تستخدم الأقمار الصناعية فى سفرها وطيرانها من دولة لأخرى ولا نبتعد كثيرا إذا أردت أنت زيارة صديق لك. لأول مرة لن تقول له إبعت عنوانك لكن ستقول له إبعت Location أو موقعك من خلال تليفونك حتى التاكسى الذى تطلبه. يستخدم location. وكل الأقمار الصناعية التى تغذى جميع تطبيقات التليفون تستهدف الدولة مثل تطبيق تيك توك الذى تمتلكه الصين وتطبيق الواتساب، تابع لأمريكا وتطبيق تيليجرام تابع لروسيا وتطبيق لائن تابع لليابان وتطبيق أم ولسى للصين كلها تدخل على حساباتك وتحصل على كل معلوماتك الشخصية.

 وتأتى الطيارات المسيرة الدرونز مثلا واضحا على ذلك والتى أصبح لها القدرة باستخدام هذه التكنولوجيا المتقدمة  على أن تصبح أساس القوة الجوية الجديدة لأى دولة فى العالم من ذلك كله أصبح عنصر المعلومات والتكنولوجيا لكل الدول فى العالم إحدى نقاط تقييم قوة الدولة الحديثة، بل أصبح نقاط هذا العنصر يأتى فى أهمية مباشرة بعد القوة الاقتصادية للدولة. من هنا أصبحت كل دولة الآن تعمل على تطوير قوتها المعلوماتية والتكنولوجية، ومن هنا تغيرت محاضرات الإستراتيجية فى كليات الدفاع فى العالم عن العام الماضى لتضع القوى المعلوماتية والتكنولوجية للدولة القوى الثانية بعد القوى الاقتصادية لقياس قوة الدولة الشاملة بل أصبحت الدراسات فى كل الجامعات فى العالم كله تركز على العلوم والتكنولوجيا والإلكترونيات والفضاء ويتم التقليل من العلوم النظرية بهدف خلق جيل جديد ينمى قدرة الدولة فى مجال التكنولوجيا الحديثة ومعها نظام المعلومات الحديثة. وهكذا تغيرت مفاهيم قياس قوة الدولة ليكون أساسه القوة الاقتصادية ثم التكنولوجيا، ثم العسكرية وبعدها السياسية ثم باقى العناصر الأخرى.

الصفحة الرابعة من العدد رقم 366 الصادر بتاريخ 13 يونيو 2024
 
تم نسخ الرابط