الخميس 13 يونيو 2024
الشورى
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمود الشويخ
رئيس مجلس الأمناء
والعضو المنتدب
محمد فودة
رئيس مجلسى
الإدارة و التحرير
محمود الشويخ
رئيس مجلس الأمناء
والعضو المنتدب
محمد فودة

الرمال السوداء ... ذهب مصرى جديد

د. سمير فرج - صورة
د. سمير فرج - صورة أرشفية

استوقفنى الفترة السابقة افتتاح السيد الرئيس السيسى لمشروع مجمع مصانع الشركة المصرية للرمال السوداء، فى مدينة البرلس، بكفر الشيخ. ظهرت فكرة هذا المصنع منذ خمس سنوات، واستغرقت دراسات الجدوى الخاصة به مدة ثلاث سنوات، على أن يتم تنفيذ المشروع بالمشاركة بين القطاعين العام والخاص، فى ضوء تزايد طلبات السوق العالمية على هذا المنتج، من ناحية، وتوفر المقومات الأساسية لإنتاجه فى العديد من مناطق مصر، من ناحية أخرى، مثل بحيرة ناصر، وبرنيس، وساحل البحر المتوسط حتى مدينة رفح، حيث تمتد الكثبان الرملية، على الشريط الساحلى، بين رفح وأبى قير بالإسكندرية، بطول 400 كيلو متر، علماً بأن الرمال السوداء هى رمال شاطئية، سوداء اللون، تحتوى على نسب عالية من المعادن الاقتصادية.

وكان من اللازم أن تبادر الدولة، بالاستثمار، بنفسها، فى البداية، كنوع من التشجيع لرأس المال الخاص، لاستغلال باقى مناطق الإنتاج فى مصر، فى ظل توقعات ربحية المشروع، خاصةً أن كل منتجات ذلك المشروع يتم تصديرها للخارج، بالعملة الصعبة، بعائد يتراوح بين 20 إلى 25%. هذا المشروع الذى أقامته مصر هو الأحدث من نوعه، على مستوى العالم، باستخدام تكنولوجيا التعدين المتطورة، لحسن استغلال الموارد الطبيعية الموجودة فى مصر، من الرمال السوداء على شواطئها، لاستخلاص المعادن منها، التى تستخدم فى العديد من الصناعات الإلكترونية والتكنولوجية المتنوعة، إذ يستخرج منها معادن، تُعد مُدل إنتاج فى 49 صناعة إستراتيجية، منها الألمينيت والزيركون والماجينيت والجارنت والروتيل والمونازيت.

اعتمدت فكرة إنشاء هذا المصنع على الرمال التى تترسب عند مصبات الأنهار، فتتحول، مع الوقت، إلى معادن رملية وصخرية على الشواطئ، ولما كان هذا المصنع يحتاج إلى كراكة بمواصفات خاصة، فقد تم تصنيع كراكة خاصة، فى هولندا، لاستخدامها فى هذا المشروع، كأول كراكة، فى العالم، صديقة للبيئة، وتعمل بالكهرباء، بدلاً من الديزل. وقد ساهم هذا المشروع فى توفير خمسة آلاف فرصة عمل للمصريين. فضلاً عن تصديه لسرقة الرمال السوداء، لاستخدامها فى أغراض البناء، بتجريم مثل ذلك الفعل، والمعاقبة عليه جنائياً؛ لإتاحة الفرصة لاستغلال الرمال السوداء، بالطريقة المثلى، وتعظيم الاستفادة منها، وتحقيق القيمة المضافة، باستخراج المعادن، والمتوقع أن تدر دخلاً على مصر يعادل ثلث دخل قناة السويس.

وقد جاء هذا المشروع ليثبت أنه رغم الظروف الاقتصادية الصعبة، التى تمر بها مصر، الآن، مع جميع دول العالم، نتيجة توابع الحرب الروسية- الأوكرانية، التى أنهكت الاقتصاد العالمى، وجعلت من التضخم وارتفاع الأسعار أهم سماته، فإن مصر مستمرة، بإصرار، فى تنمية اقتصادها، وضخ أموال للاستثمار، من أجل مستقبل واعد لهذا الشعب. وبالنظر إلى الفرص البديلة، فقد تسمع آراء ترى إمكانية ضخ هذه الأموال لتدبير الاحتياجات العاجلة للمواطن، إلا أن فلسفة الإدارة المصرية، الهادفة للتنمية والنمو، تعتمد على الاستثمار باعتباره الوسيلة الحقيقية لتوفير فرص عمل وإدارة عجلة الاقتصاد، وهو ما دفعها للاستثمار فى هذا المشروع، وغيره، رغم التحديات الاقتصادية.

تشمل مصر، حالياً، 11 موقعاً على مستوى الدولة، يقدر إجمالى احتياطيها الإستراتيجى من الرمال السوداء بنحو 5 مليارات متر مكعب، يمكن استغلالها خلال 200 سنة قادمة، منها مشروع مجمع البرلس الصناعى، الذى يقدر إنتاجه بحوالى 298 ألف طن من خام الألمنيت، و25 ألف طن من خام الزيركون، و12 ألف طن من خام الجارنت، و11 ألف طن من خام الوتيل، و45 ألف طن من خام المونازيت. ويجرى، حالياً، تنفيذ أعمال فصل وتركيز المعادن من الرمال السوداء فى البرلس، ليليها أعمال الاختبارات والتشغيل فى منطقة رشيد، ثم تجهيز وحدات استخلاص المعادن فى بركة غليون. ولعل من أهم عوامل نجاح المشروع، أن هيئة المواد النووية المصرية، قد شاركت فى دراسة الجدوى الخاصة به، وانتهت منها فى عام 2003، إلا أنها لم تجد الإرادة السياسية لتنفيذ المشروع، حتى تولى الرئيس عبد الفتاح السيسى الحكم فى عام 2014؛ ليصدر أوامره بتنفيذ المشروع، ويصبح باكورة أمل جديد لاستغلال الإمكانيات المصرية.

وقد كانت معاناة محافظة كفر الشيخ من أعلى معدلات بطالة، السبب وراء اختيار إقامة المشروع بها، لتوفير فرص عمل لأبنائها، التى كانت، فى وقت من الأوقات، منفذاً للهروب، عبر البحر المتوسط، إلى أوروبا. فجاء هذا المشروع، ومن قبله مشروع مزارع الأسماك فى غليون، بنفس المحافظة، ليؤكد للمواطن، أن الدولة ترعى أبناءها فى مختلف الأماكن، خاصة تلك التى تعرضت للتهميش لفترات طويلة، لتجعل منها منطقة جذب، بدلاً من أن تكون منطقة لرحلات الموت والهجرة غير الشرعية. 

ومع كثرة وتنوع ثروات مصر الطبيعية، يتأكد لنا أن المنهج العلمى، والرؤية الواضحة، هما السبيل لحسن استغلالها، وإدارتها ... فأتمنى أن يصبح هذا المشروع نموذجاً تطبيقياً، حيث تمت دراسة جدواه من جهة متخصصة، أثبتت ارتفاع عوائده، مع وجود فرصة لمشاركة القطاع الخاص به. وعند تنفيذه تم التركيز على المناطق المحرومة من الفرص الاستثمارية، اعتماداً على مبدأ العدالة الاجتماعية، من أجل توفير فرص عمل لأبناء هذه المناطق، وهو أمر مهم منوط به وزارة التخطيط التى لديها البيانات الكاملة عن محافظات مصر، ونسبة البطالة فى كل محافظة، ومن هنا تكون نسبة البطالة أحد عوامل تزكية البدء فى هذه المشروعات. 

لذا كانت الإشادة واجبة باستمرار التنمية والاستثمار، رغم كل الظروف الاقتصادية التى تمر بها مصر ودول العالم كله، وهو أمر يحسب للقيادة المصرية.

الصفحة الرابعة من العدد رقم 365 الصادر بتاريخ 6 يونيو 2024
 

 

 

تم نسخ الرابط