الأحد 23 يونيو 2024
الشورى
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمود الشويخ
رئيس مجلس الأمناء
والعضو المنتدب
محمد فودة
رئيس مجلسى
الإدارة و التحرير
محمود الشويخ
رئيس مجلس الأمناء
والعضو المنتدب
محمد فودة
الشورى

الغربة حلم، أمل ينتظره العديد من الشباب، بل هدف يسعون إليه لتحسين الأوضاع والظروف المعيشية، وقد يصل الحال إلى أن يكون حلم السفر هو الغاية والمبتغى، الذى يتمناه البعض ويعيش على تحقيقه، فيدفع أموالًا طائلة للحصول على فيزا خروج، وأحيانًا يدفع عمره من أجل السفر والغربة. فكم من آمال وطموحات توارت وراء مركب شراعى صغير يعبر به الشباب البحار والمحيطات، عن طريق هجرة غير شرعية قد تكلفهم حياتهم بأكملها، ومن يصل إلى الشاطئ يحمل حالة من الرعب، نظرًا لما عاناه خلال رحلة الموت، منهم من يترك أبويه وأبناءه وزوجته بحثًا عن عيش كريم فى دولة أوروبية، ربما كانت فكرة تراود خياله منذ زمن بعيد، وربما رأى فيلمًا يحكى قصه نجاح. نعم الحلم المشروع والأهداف النبيلة لتحقيق مستوى أفضل محمودة، لكن تُرى هل نملك أدوات تؤهلنا لتحقيق هذا الحلم؟

للأسف العديد من الشباب يصطدم بواقع صعب جدًّا، يخوض تجارب مريرة فى الغربة منها الاصطدام بلغات غير معتاد عليها، ولابد من توافر السكن والعمل، وهذا الموضوع ليس بالسهل فى بلد لا يعرف فيه أحدا. الغربة حلم، لكنه حلم مشروط بوسائل لتحقيقه، فلابد أن نمتلك أدوات أولية وأساسية عند طرح تلك الفكرة سواء بالعمل لفترة مؤقتة أو بقصد الهجرة، فعلى شبابنا أن يعوا جيدًا أن الأمور فى الغربة ليست بما يدور فى المخيلة، بل هى أوجاع وصعوبات وحرمان، فلابد أن يعى كل شاب أن أوروبا ليست الجنة، كما يزعم البعض، ولا هى طاقة نور لطريق مظلم، بل كد وكفاح ومعرفة وعلم وأساسيات، لابد أن يعلمها المهاجر، قبل التفكير فى السفر. لا يبقى بيد الشباب حيلة سوى الابتعاد عن طريق الوطن واختيار طريق الضياع، الذى جُهز خصيصًا لخطف الشباب وسرقة أفكارهم واغتيال عقولهم، كان طريق الهجرة معروفا لدى الغالبية بأنه طريق النجاة الوحيد، فرأوا فيه غايتهم لتحقيق أحلامهم وحياتهم وذاتهم التى فقدوها فى أوطانهم، لم يكن هناك بداية لهذه المأساة ولم تبرز النهاية كذلك، طريق وعرة مليئة بالمتاهات والضياع الأكبر من ذلك الذى هربوا من أوطانهم لأجله، بدأوا المسير فى مغامرة الهجرة بلا عودة للبحث عن أحلامهم التى تخلوا عن كل شيء فى سبيل إيجادها فى بلاد الغربة.

من الصعب نسيان الأزقة الضيقة المليئة بعبق الذكريات فى كل زاوية، وليس من السهل تخيل حياة المرء بعيدًا عن عائلته وأصدقاء طفولته والذكريات السعيدة وغيرها، وكيف يعيش المغترب بعيدًا عن مكانه الذى اعتاد التواجد فيه، فكل ركنٍ من أركان المدينة شاهد لطفولته وذكرياته، ولكن فات الأوان على استرجاع الماضى للذاكرة. مهما طالت سنون الغربة بالمغتربين، فإنهم يظلون يعتقدون أن غربتهم عن أوطانهم مؤقتة، ولابد من العودة إلى مرابع الصبا والشباب يومًا ما للاستمتاع بالحياة، وكأنما أعوام الغربة جملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب. لا شك أنه شعور وطنى جميل، لكنه أقرب إلى الكذب على النفس وتعليلها بالآمال الزائفة منه إلى الحقيقة، فكم من المغتربين قضوا نحبهم فى بلاد الغربة وهم يرنون للعودة إلى قراهم وبلداتهم القديمة! وكم منهم ظل يؤجل العودة إلى مسقط الرأس حتى غزا الشيب رأسه دون أن يعود فى النهاية، ودون أن يستمتع بحياة الاغتراب! وكم منهم قاسى وعانى الأمرّين، وحرم نفسه من ملذات الحياة خارج الوطن كى يوفر الدريهمات التى جمعها كى يتمتع بها بعد العودة إلى دياره، ثم طالت به الغربة، وانقضت السنون، وهو مستمر فى تقتيره ومعاناته وانتظاره، على أمل التمتع مستقبلاً فى ربوع الوطن، كما لو أنه قادر على تعويض الزمان.

وكم من المغتربين عادوا فعلاً بعد طول غياب، لكن لا ليستمتعوا بما جنوه من أرزاق فى ديار الغربة، بل لينتقلوا إلى رحمة ربهم بعد عودتهم إلى بلادهم بقليل، وكأن الموت كان ذلك المستقبل الذى كانوا يرنون إليه، لقد رهنوا القسم الأكبر من حياتهم بمستقبل ربما يأتى، وربما لا يأتى أبدًا، وهو الاحتمال الأرجح! لقد عرفت أناسًا كثيرين تركوا بلدانهم، وشدوا الرحال إلى بلاد الغربة لتحسين أحوالهم المعيشية. الغربة مش جنة.. الغربة محنة صعبة لازم نجتازها بنجاح ونعدى بيها وبحياتنا بر النجاة .

تم نسخ الرابط