خالد الطوخى يكتب:إستراتيجية مواجهة الاستخدام غير الرشيد للمضادات الحيوية

مصر,الأدوية,قضية,الاقتصاد,هيئة الدواء المصرية,التنمية,الصحة,العالم

رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمود الشويخ
رئيس مجلس الأمناء والعضو المنتدب
محمد فودة
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمود الشويخ
رئيس مجلس الأمناء والعضو المنتدب
محمد فودة
خالد الطوخى يكتب: إستراتيجية مواجهة الاستخدام غير الرشيد للمضادات الحيوية

خالد الطوخى يكتب: إستراتيجية مواجهة الاستخدام غير الرشيد للمضادات الحيوية

هيئة الدواء المصرية تراقب معدلات الاستهلاك وتهتم بالتوعية

تنفيذ خطة قومية لمكافحة المقاومة لمضادات الميكروبات

توفير الدواء المصرى بجودة عالية ومأمونية تامة على المرضى

الاستخدام العشوائى للمضادات الحيوية يؤثر على الاقتصاد العالمى ويعيق التنمية الشاملة

التوعية تظل على الدوام السبيل الأمثل لتحصين المجتمع ضد الممارسات الخاطئة فى استخدام المضادات الحيوية

الاستخدام غير الرشيد للمضادات الحيوية يشكل مأزقًا طبيًا واجتماعيًا يهدد النسيج الصحى العالمى 

فى الآونة الأخيرة، ومع التوسع المطرد فى قطاع الصحة ومساعيه للارتقاء بخدماته، تبرز على السطح قضية ملحة تتطلب النظر الفورى والمتأنى، وهى قضية الاستخدام غير الرشيد للمضادات الحيوية. يأتى هذا الأمر فى إطار الإستراتيجية القومية التى تبنتها هيئة الدواء المصرية برئاسة الدكتور على الغمراوى، والتى تعكس حرص الهيئة على توفير الدواء المصرى بجودة عالية ومأمونية تامة على المرضى.

من خلال متابعتى للجهود المبذولة، والتى تم الكشف عنها من قبل هيئة الدواء المصرية، يتضح لى أن هذه المقاومة لمضادات الميكروبات لا تمثل تحديًا صحيًا فحسب، بل تتجاوز ذلك لتصبح أحد التهديدات الجوهرية للصحة العامة على مستوى العالم. الخطر المتنامى الذى يشكله الاستخدام العشوائى للمضادات الحيوية يتخطى الإطار الصحى ليؤثر على الاقتصاد العالمى ويعيق التنمية الشاملة.

من هذا المنطلق، أجد أن الخطوات التى اتخذتها الهيئة تعتبر إجراءات فعالة ومدروسة. الانضمام إلى منصة النظام العالمى لترصد ومراقبة استهلاك مضادات الميكروبات GLASS-AMC منذ عام 2020، يعد تحركًا إستراتيجيًا يبرز أهمية البيانات فى صياغة السياسات الصحية، وتطوير اللوائح المنظمة لاستخدام المضادات الحيوية.

وأود أن أشيد بالتعاون الذى تبديه الهيئة مع المؤسسات الدولية والوطنية للتصدى لهذا التحدى والتخفيف من آثاره السلبية. ومن ضمن هذه الجهود، التحالف مع الشبكة الدولية للوكالات التنظيمية لمكافحة مقاومة مضادات الميكروبات RAGNA، الأمر الذى يُعزز من التبادل الفعال للخبرات ويُسهم فى بلورة المقترحات العملية لمواجهة الأزمة.

كما لا يمكن إغفال الدور الحيوى الذى تلعبه التوعية فى مكافحة مقاومة الميكروبات. فالتوعية المجتمعية والتدريب المستمر للفئات المختلفة، بما فى ذلك الصيادلة وطلبة الجامعات، تعد رافدًا أساسيًا لضمان الاستخدام الآمن فى ظل التطورات السريعة التى يشهدها القطاع الصحى المصرى، ومع التوسع فى توفير خدمات صحية أفضل، يكتسب موضوع الاستخدام الأمثل للمضادات الحيوية أهمية بالغة. هذا الموضوع لا يخص الصحة الإنسانية فقط بل يتعداه إلى الصحة الحيوانية والبيئية، ويؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد العالمى ومسارات التنمية الشاملة. إن جهود هيئة الدواء المصرية، التى أعلن عنها الدكتور على الغمراوى، تشير إلى التزام مصر بالمضى قدمًا فى هذا الاتجاه الحيوى.

من وجهة نظرى، فإن ما يجب تسليط الضوء عليه هو الإستراتيجية الهامة التى تتبعها الهيئة فى ترشيد استخدام المضادات الحيوية وحماية فعاليتها لمواجهة التهديدات المتزايدة للصحة العامة. هذه الإستراتيجية تعكس وعيًا عميقًا بمدى خطورة انتشار مقاومة الميكروبات، والتى صُنفت بين أكبر عشر تهديدات صحية على مستوى العالم.

بالنظر إلى الجهود المستمرة لمراقبة استهلاك المضادات الحيوية والتى تجسدت فى انضمام الهيئة إلى منصة GLASS-AMC، أرى فى ذلك خطوة استباقية لتقييم وتحليل الوضع الراهن بدقة، وبالتالى تطوير السياسات واللوائح اللازمة. هذا الأمر يعزز من قدرتنا على اتخاذ قرارات مستنيرة وضرورية للحد من مخاطر المقاومة.

كما أن التعاون الوثيق الذى تقيمه الهيئة مع الشبكة الدولية للوكالات التنظيمية RAGNA يمثل ركيزة أساسية لتبادل الخبرات وصياغة إستراتيجيات فعالة، ما يُسهم فى وضع مصر فى صدارة الدول العاملة على محاور الصحة الواحدة.

التوعية، والتى يُعتبر تبنيها من قبل هيئة الدواء المصرية محورًا رئيسيًا، تظل على الدوام السبيل الأمثل لتحصين المجتمع ضد الممارسات الخاطئة فى استخدام المضادات الحيوية. وأثق بأن التوعية المجتمعية، وتدريب الصيادلة، وتعليم طلبة الجامعات، سوف تُثمر عن سلوكيات مسؤولة تُسهم فى الحد من استخدام المضادات الحيوية.

وتعد المضادات الحيوية من أبرز الاكتشافات الطبية التى غيرت مسار البشرية وحسنت من نوعية الحياة بشكل لا يُقدر. ولكن، مع الاستخدام المتزايد وغير المنضبط لهذه الأدوية العجيبة، نجد أنفسنا الآن أمام تحديات جديدة تتطلب توجهات جذرية ومدروسة.

أولاً وقبل كل شيء، ظهور مقاومة المضادات الحيوية هو شبح يلوح فى الأفق، يهدد بإعادة البشرية إلى عصر ما قبل البنسلين، حيث العدوى البسيطة قد تتحول إلى مرض مميت. وقد يكون من المفارقات أن الأداة التى كانت مرادفة للشفاء أصبحت الآن مصدرًا للقلق. البكتيريا، بطبيعتها البقائية، تتطور وتتكيف استجابةً للضغوط التى تواجهها، واستخدام المضادات الحيوية بشكل غير مناسب يعجل بهذه العملية.

علاوة على ذلك، الآثار الجانبية التى قد تنجم عن استخدام المضادات الحيوية بهذه الطريقة العشوائية قد تراوح بين التعب والإسهال وحتى ردود فعل تحسسية خطيرة. وهذه الآثار ليست فقط معضلة للفرد، بل تمتد لتؤثر على المجتمع ككل مما يتطلب استجابةً على مستوى السياسات الصحية الوطنية والدولية.

بالإضافة إلى ذلك، هناك أيضاً البعد الاقتصادى؛ فالعدوى المقاومة للمضادات الحيوية تزيد من تكاليف الرعاية الصحية بشكل كبير نظرًا للحاجة إلى علاجات أطول وأكثر تعقيدًا وأحيانًا اللجوء لخيارات دوائية باهظة الثمن. وبالتالى، يُصبح العبء المالى والاجتماعى باهظًا، مما يستلزم تدخلًا استباقيًا للحيلولة دون تفاقم هذه المشكلة.

إن محاولة التصدى لهذا التحدى تتطلب جهودًا متضافرة ومتعددة الجوانب، تتراوح بين تعزيز الوعى العام وصولًا إلى تطوير أساليب جديدة لاكتشاف وتطوير المضادات الحيوية. ويجب أن يكون هناك التزام جاد من قبل الأطباء، الصيادلة، والمرضى على حد سواء لضمان الاستخدام الأمثل لهذه الأدوات ، فالاستخدام غير الرشيد للمضادات الحيوية يشكل مأزقًا طبيًا واجتماعيًا يهدد النسيج الصحى العالمى ويفرض تحديات جمة أمام الأفراد والمجتمعات على حد سواء. يتجلى هذا التحدى فى التكيُّف السريع الذى تظهره البكتيريا، حيث تتحول إلى سلالات مقاومة تتحدى العقاقير المتاحة، مما يجعل العلاجات المستقبلية محفوفة بالصعوبات وربما تكون مستحيلة فى بعض الحالات. هذه المقاومة تُعقّد مسارات الشفاء وتطيل أمده، مما يزيد من معاناة المرضى ويضاعف الأعباء على النظم الصحية.

التبعات السلبية لا تقتصر على مقاومة الأدوية فحسب، بل تمتد لتشمل الآثار الجانبية التى يمكن أن تكون شديدة وتُلحق الضرر بالمرضى، ما يؤدى إلى تفاقم الحالات الصحية بدلاً من علاجها. من هذا المنطلق، يصبح من الضرورى إعادة النظر فى سياسات استخدام المضادات الحيوية وضرورة تشديد الضوابط على صرفها، بما يضمن تحقيق الفائدة القصوى منها وتقليل الأضرار المحتملة.

ومن زاوية أخرى، لا يمكن إغفال العبء الاقتصادى الذى يترتب على الاستخدام الخاطئ للمضادات الحيوية، إذ ترتفع بشكل مباشر تكلفة الرعاية الصحية نتيجة المضاعفات الناجمة عن العدوى المقاومة. يُضاف إلى ذلك، تكاليف البحث عن بدائل دوائية جديدة وتطويرها، وهو مسار يستنزف موارد هائلة من الوقت والجهد والمال.

خلاصة القول إنه قد آن الأوان لتكاتف الجهود واتخاذ خطوات ملموسة نحو تحسين الوعى العام وتعزيز الاستخدام الأمثل للمضادات الحيوية. يجب أن يكون هناك تعاون وثيق بين الأطباء، الصيادلة والمرضى لضمان أن هذه الأدوات القوية تُستخدم بالطريقة الأكثر فعالية وأمانًا، حفاظًا على صحة الأجيال الحالية والمستقبلية.