أكتوبر العظيم لم يكن نصرا عسكريا عربيا قادته القوات المسلحة المصرية بقدر ما كان لحظة مصرية شديدة الخصوصية تعيد

يوم,العبور,اكتشاف,مصر,القوات المسلحة

رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمود الشويخ
رئيس مجلس الأمناء والعضو المنتدب
محمد فودة
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمود الشويخ
رئيس مجلس الأمناء والعضو المنتدب
محمد فودة
د. يمنى أباظة تكتب: نصر أكتوبر العظيم

د. يمنى أباظة تكتب: نصر أكتوبر العظيم

أكتوبر العظيم لم يكن نصرا عسكريا عربيا قادته القوات المسلحة المصرية بقدر ما كان لحظة مصرية شديدة الخصوصية تعيد اكتشاف طبيعة الشخصية المصرية وتؤكد على ملامحها الصلبة التى قررت هذه اللحظة أن بقاءها واستمرارها على خريطة البشرية مرهون بمدى قدرتها على هضم تداعيات انكسار حلم تحقيق الأهداف العظيمة، عاشت سنوات نغنى له ونستلهمه فى كل خطواتها إلى أن جاء يوم من أحسن الأيام على النفس المصرية حين طلع نهار الهزيمة الحقيقية لكل ما صدقوه قوة وآمنوا به ودفعوا له ثمنا من تفاصيل حياتهم اليومية.  نهار أصبح فجأة نفقا مظلما غير واضح المعالم والتفاصيل، معروف بدايته وليس هناك ضوء صغير فى نهايته، ماذا حدث؟ ولماذا حدث؟ الظلام يخيم على أجواء المحروسة والضباب فى نفوس الناس، العدو الإسرائيلى على شط القناة، هزيمة وليست نكسة، خطيئة وليست خطأ، نهاية حقيقية لا تقبل محاولات التخفيف أو التجميل إنما تحتاج إلى قرار يحدد المصير إما بقاء وإما انسحاقا. 

جيل كامل جاء فى هذه اللحظة من يونيو 1967 فى موعده مع القدر وأصبح عليه كل العبء، اكتشاف ما حدث تغيير ما حدث، سياسيا وعسكريا واجتماعيا واقتصاديا، واختار هذا الجيل البقاء، يكون أو لا يكون، فالمصرى الحقيقى لا يقبل هزيمته ولا يتجرع خداعه ولا يؤمن إلا بما تصنعه يداه، هكذا هى الشخصية المصرية الحقيقية.  خاض هذا الجيل معارك الاستنزاف وحولها إلى حرب حقيقية تعلن عن وجوده وصموده وإسراره وهدفه واسترعى كل خبراته العلمية والعملية وأضاف إليها.  حدد إمكاناته الحقيقية واختار مهامه وصولا إلى الهدف فى لحظة شديدة الخصوصية، لم يرد الانكسار ولم يقبل الانسحاب فجاءت لحظة الحسم واسترداد الكرامة مفاجئة ومباغتة للعدو.  حشدت مصر كل مقدراتها لإعادة بناء قواتها المسلحة وعبأت الموارد وسخرت الإمكانيات من أجل استعادة أجهزة القيادة والوحدات والتشكيلات ليقاتها وكفاءتها فى أقصر وقت ممكن، تحت ظروف بالغة الصعوبة يتصدرها ضغط الاحتلال الإسرائيلى، وتفوقه فى العدد والعتاد كما وكيفا والتهديد المتواصل بقصف الأهداف الإستراتيجية فى العمق، لبث اليأس فى جدوى المقاومة وإشاعة روح الهزيمة والاستسلام. 

لم تمض سوى أسابيع قليلة بعد هزيمة يونيو 1967 حتى استعادت القوات المصرية لياقتها وتصدت لاستنزاف قوات الاحتلال الإسرائيلى فى معارك تصادمية محدودة فى معركة رأس العش وغيرها عبر القناة ثم جاء تصدى زوارق الصواريخ المصرية للمدمرة الإسرائيلية، إيلات وإغراقها فى عرض البحر أمام شواطئ بورسعيد، ليضع نهاية لغرور القوة الإسرائيلية وإعلان عن استرداد القوات المسلحة عافيتها، وقدرتها على الردع ودحر العدوان استكملت مصر بناء خطوطها الدفاعية فى منطقة القناة فى نهاية الستينيات حيث حشدت تشكيلات قتالة تنتظم قوات مدربة على أعلى مستوى للدفاع عن جبهة أمامية بطول القناة تساندها احتياطيات فى العمق الإستراتيجى خطط لها الاستمرار فى التدريب المتواصل على مهام العمليات طوال سنوات ما بعد النكسة عام 1967 حتى بدء معركة التحرير فى أكتوبر 1973.  كانت العزيمة والإصرار لمحو آثار الهزيمة وتحقيق النصر، هى القوة الدافعة وراء تفوق المقاتل المصرى وإجادته التدريب على استخدام السلاح اقتناعا منه بالمبدأ القائل إن السلاح بالفرد وليس الفرد بالسلاح. 

عبر المقاتل المصرى الفجوة بين التفوق النوعى للسلاح الإسرائيلى والسلاح المصرى بتفوقه فى استغلال إمكانيات السلاح الذى فى يده إلى أقصى حد ممكن ساندته هذه القدرة وعززها الإبداع المصرى وقدرته على تطوير تكنولوجيا السلاح المصرى لتتلاءم والاستخدام فى مواجهة التكنولوجيا المتقدمة للأسلحة الإسرائيلية، وقد حقق هذه الإنجازات التكنولوجية لتطوير الأسلحة المصرية، الجهود المتواصلة الدؤوبة لأجهزة البحث والتطوير للقوات المسلحة المصرية على مدى سنوات ست عقب هزيمة يونيو بما حول القدرات الدفاعية المصرية إلى قدرات هجومية حققت ملحمة العبور والنصر فى أكتوبر 1973.