◄ لماذا لا تتحول مبادرة "لا للتعصب" التى أطلقها وزير الشباب إلى مشروع قومى؟ ◄ الشعب لم يقع فى

جريدة الشوري,اخبار مصر,اخبار مصرية,اخبار الرياضة,اخبار الفن,اخبار الحوادث,اخبار الصحة,مراة ومنوعات,حظك اليوم,اخبار الاقتصاد,رياضة,عملات,بنوك,الرئاسة

رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمود الشويخ
رئيس مجلس الأمناء والعضو المنتدب
محمد فودة
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمود الشويخ
رئيس مجلس الأمناء والعضو المنتدب
محمد فودة

محمد فودة يكتب: ترويض "وحش" التعصب

الاعلامى محمد فودة  الشورى
الاعلامى محمد فودة


لماذا لا تتحول مبادرة "لا للتعصب" التى أطلقها وزير الشباب إلى مشروع قومى؟

الشعب لم يقع فى فخ التعصب بمباراة القرن وعلينا أن نتجاوز فخ التعصب الدينى والسياسى 

أعداء الوطن يزرعون الفتنة بين المسلمين والمسيحيين وبين الجيش والشعب .. ولن ننجو إلا بأن نكون يدا واحدة 

أفكار التسامح لابد أن تكون حاضرة فى مناهج التعليم وبرامج الإعلام ومواعظ رجال الدين.. فالمواجهة لابد أن تكون شاملة 

كنت أتابع عن قرب مبادرة وزير الشباب الدكتور أشرف صبحى التى دعمها المجلس الأعلى للإعلام برئاسة كرم جبر، والتى كان عنوانها " مصر أولا... لا للتعصب"، وكنت أنتظر أول اختبار تخوضه هذه المبادرة الرائعة، وهو اختبار مباراة قمة القرن بين الأهلى والزمالك فى بطولة دورى أبطال إفريقيا، وهى المباراة التى كان الجميع يحبسون أنفاسهم فى انتظار نتيجتها. 

بعد أن انتهت المباراة على خير، وتم تتويج الأهلى بطلا، وهو المكسب الذى حققته مصر، لأن الفوز فى الحالتين كان لمصر، أدركت كم نجحت هذه المبادرة، وكم كان الدكتور أشرف صبحى موفقا فى تسويقه لها، وهو التسويق الذى شهدته وسائل الإعلام المختلفة وساحات الجامعات وكان فى مقدمتها جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، التى تؤمن بأن لها رسالة مجتمعية شاملة تقوم بأدائها بقيادة الصديق العزيز خالد الطوخى رئيس مجلس أمناء الجامعة. 

وكم سعدت عندما أعلن الوزير الدكتور أشرف صبحى أن هذه المبادرة لم تنطلق بمناسبة مباراة القمة بين الأهلى والزمالك، وهو حدث عظيم ما فى ذلك شك، وإنما سيمتد العمل بها لمدة عام، حتى تستطيع أن تصل إلى أكبر عدد من الشباب خصوصا والمصريين عموما. 

سبب سعادتى أننا فى حاجة فعلية إلى هذه المبادرة وغيرها من المبادرات التى تأتى على شاكلتها، لأن التعصب هو الداء الأعمى الذى يمكن أن يأتى على الأخضر واليابس، ويهدم كل ما ننجزه على الأرض من مشروعات قومية عملاقة. 

لقد أخذت من المبادرة التى انطلقت على هامش مباراة كرة قدم مهمة وعظيمة لأتحدث معكم عن ظاهرة التعصب بشكل عام، وهى ظاهرة تستحق أكثر من مبادرة، بل لن أكون مبالغا إذا قلت إننا فى حاجة إلى مشروع قومى يمتد إلى كل فئات المجتمع، ونعمل على تمكينه، حتى يتسنى لنا أن نعيش فى مجتمع  سوى بعيدا عن الأمراض النفسية.

التعصب فى النهاية مرض، ومرض خطير جدا، لأنه لا يخلف وراءه إلا الكراهية، والكراهية فى النهاية لا تنتج أبدا إلا الخراب والدمار، فلا يمكن لمجتمع يريد أن ينمو ويتطور ويبنى وينهض ويأخذ بيد الأجيال القادمة إلى المستقبل أن يستسلم لهذا المرض، وإلا يكون قد حكم على نفسه بالفناء التام.

يمكننى أن أنظر إلى التعصب أيضا وفوق أنه مرض، فهو أيضا وحش مفترس قاتل لا يبقى ولا يذر، وحتى ننجو منه فليس علينا إلا ترويضه بشكل كامل، وأعتقد أن ما شاهدناه خلال الأيام الماضية دليل على مقدرتنا الكبيرة على كبح جماح هذا الوحش، الذى كان يمكنه أن يشعل النار فى الجميع، وساعتها ما كان لأحد أن يقدر على شيء. 

  ورغم أن كثيرين يتعاملون مع التعصب الرياضى على أنه أمر طبيعى جدا، خاصة أن المنافسات  الرياضية من طبيعتها الأخذ والرد والجدال والشجار وتبادل السخرية والشتائم والهتافات، بل يصل الأمر إلى العنف، وهو ما أرفضه تماما 

ولا أقبل به ولا أقره، لأن قبولنا بذلك معناه أننا نفسح الطريق أمام المتعصبين ونبرر لهم ما يقدمون عليه، بل ونبحث لهم عن مخرج حتى لا يعاقبهم أحد. 

إلا أن الحديث عندما يصل إلى التعصب السياسى فلابد أن نتوقف وبقوة أمامه، لأنه يمثل الخطر الأكبر والأعم والأشمل، ومكمن الخطر الذى أتحدث عنه هنا أنه تعصب سياسى يتقنع بقناع دينى، وهو ما عانينا منه خلال العقود الماضية، ولا زلنا نعانى منه حتى الآن. 

وصلنا معا إلى مربط الفرس من حديثى الذى انطلقت به عن مبادرة وزير الشباب " لا للتعصب"،فقد تعرضنا خلال السنوات الماضية إلى حالة استنزاف طاغية بسبب التعصب السياسى الذى ولد على يد الجماعة الإرهابية، وهو تعصب ناتج عن تصور هذه الجماعة أنها تمثل المسلمين، وأن من ينتمون إليها هم أهل الله وغيرهم لا يمتون إليه بصلة، وقد تعالوا على الناس بهذه الطبقية السياسية الدينية البغيضة، فكان طبيعيا أن يخسروا كل شيء .

كانت الخطوة التى أقدم عليها المصريون فى ٣٠ يونيو ٢٠١٣ هى الخطوة الأهم فى إنهاء أى شكل من أشكال التعصب الأعمى لفئة أو جماعة أو تنظيم، فعندما نزل المصريون بالملايين إلى الشوارع رافعين لافتات ضد الجماعة الإرهابية كان يجمعهم شعار واحد هو " مصر أولا" نبذ الجميع خلافاتهم نسوا كل شيء وساروا خلف شيء واحد هو تحرير الوطن من الاحتلال الإخوانى. 

لقد نجح المصريون فى ثورتهم لأنهم تعصبوا للوطن، خافوا عليه، وينجح المصريون الآن فى تنمية وطنهم لأنهم لا يزالون متمسكين بفكرتهم الأساسية، وهى أن الوطن أولا ثم يأتى بعد ذلك كل شيء، بل إنهم تحملوا ما لا يمكن لأحد أن يتحمله من تبعات قرارات الإصلاح الاقتصادى حتى تستطيع الدولة أن تقف على قدميها، والمعنى واضح فالمصريون وضعوا وطنهم قبل أنفسهم، عملوا من أجل مصلحته العليا، حتى لو كان ذلك فيه إضرار بمصالحهم الخاصة. 

لم يدرك الذين تعصبوا لجماعة أو فئة على حساب الوطن أنهم يرتكبون بذلك أكبر جريمة فى التاريخ وهى الخيانة العظمى، ليس فى الأمر مبالغة من أى نوع، فعندما تنتمى لجماعة _ كما فعل ويفعل حتى الآن أعضاء الجماعة الإرهابية _ وتعمل بكل ما تملك على تحقيق أهدافها وتنفيذ مصالحها، بصرف النظر عن أهداف ومصالح الوطن الكبير فأنت بذلك خائن تماما. 

من أجل هذا يأتى دور الوعى الذى تعمل الدولة المصرية على التأكيد عليه عبر مسارات مختلفة، فلا يترك الرئيس فرصة إلا ويشير فيها إلى أهمية وقوة سلاح الوعى فى مواجهة كافة المشكلات التى تعترض طريقنا وتعوق تقدمنا، ومعنى الوعى هنا ليس فقط أن نعرف المخاطر التى تواجهنا فنتجنبها، ولكن أن نحدد الوجهة التى ننحاز إليها، فإذا ما انحزنا إلى الوطن بشكل كامل يكون من السهل علينا أن نقف على القرارات التى تصب فى صالحه. 

لا ننكر الجهود الكبيرة التى تبذلها الدولة المصرية فى نشر الوعى الذى يدعم مواجهة التعصب، لكننا فى حاجة إلى مزيد من الجهود، نحتاج خطة كاملة متكاملة. تبدأ بإعادة النظر فى المناهج الدراسية التى يتلقاها أولادنا فى المدارس، وتمتد إلى المواعظ التى تلقى فى المساجد والكنائس، وتكون حاضرة فى الكتب التى تصدرها وزارة الثقافة ومتضمنة فى البرامج الثقافية التى تقدمها للجماهير، بل لابد أن يقوم الإعلام بمسئوليته كاملة فى هذه المعركة، ولا يغض الطرف عنها. 

لقد ظل الإعلام ولا يزال فى حقيقة الأمر أحد مصادر نشر التعصب ولا أستثنى أى شكل من أشكال الإعلام، وأعتقد أن الإعلام المصرى لديه الآن فرصة ليراجع نفسه، ويكون على قدر المسئولية الملقاة على عاتقه، فيقوم بدوره فى تثقيف المواطنين وتوعيتهم والأخذ بأيديهم بعيدا عن أرض التعصب وإدخالهم إلى أرض السلام والتسامح. 

الفائدة الكبرى التى يمكن أن تحصدها مصر من تمكين الثقافة العامة التى تواجه التعصب والسلوك الذى ينبذه، أننا سنقف بقوة أمام تفتيت الجبهة الداخلية، فقد لعب التعصب دورا كبيرا فى إشعال الفتن الطائفية لسنوات طويلة، وهى الفتن التى كادت تشعل مصر أكثر من مرة لولا ستر الله علينا جميعا. 

مواجهة التعصب كذلك تفيدنا فى أن نقف أمام محاولات زرع الفتنة التى يخطط أعداؤنا لإفساد العلاقة بين الشعب والجيش بها، فهناك محاولات  لا تتوقف لإفساد العلاقات المتينة التى تربط بين الجيش المصرى والشعب تمهيدا للانقضاض على الدولة المصرية، وهى محاولات تقوم فى أصلها على معنى التعصب لفكرة أن الجيش لا يعمل لمصلحة الشعب، وهى فكرة خبيثة لكن يعمل أصحابها طوال الوقت وليس علينا إلا أن ننتبه لهم حتى لا يفسدوا علينا حياتنا ووطننا. 

إننى هنا لا أدعو إلى شيء غريب، بل هو أمر واجب علينا جميعا، لأننا بالابتعاد عن التعصب يمكن أن نبنى بلدنا بأمان، وهو الهدف السامى الذى يجب أن نسعى له جميعا دون أن يعطلنا عن ذلك شيء، وهو التحدى الكبير الذى لا يجب علينا أن نخوضه فقط، ولكن لابد أن ننجح فيه أيضا.