12:00 | 12 مايو 2017
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمود الشويخ
رئيس مجلس الأمناء والعضو المنتدب
محمد فودة

د. حسن راتب يكتب : « الدعم ».. كيف يصل إلى مستحقيه ؟

الأربعاء 11/سبتمبر/2019 - 04:34 م
د. حسن راتب - صورة
د. حسن راتب - صورة أرشفية
طباعة

كثرة الحديث عن قضية "الدعم" التى اصبحت محل جدل كبير بين كافة فئات المجتمع جعلت هذه الكلمة تبدو وكأنها كلمة سيئة السمعة نتيجة هذا اللغط الكبير من جانب البعض بينما الأمر فى منتهى البساطة والسهولة ولا يتطلب كل هذا الانفلات فى تناول قضية الدعم .

وهنا ينبغى علينا ان نعرف ما الذى أوصلنا اصلاً الى تلك الحالة شديدة التعقيد فيما يتعلق بالدعم .. فالدولة ولسنوات طويله ولأسباب لم تعد خافية على احد ظلت تتعامل مع الدعم على انه وسيلة لتحقيق استقرارها وتثبيت اركانها فتحولت الحكومة بالنسبة للمجتمع وكأنها هى الاب والام وظلت تقدم دعما للسلع الاساسية والوقود وغيرها من  الاحتياجات اليومية وعلى الرغم من زيادة الفجوة بين السعر الحقيقى لهذه السلع وبين السعر المخفض الذى يتم تداوله فإن الدولة ظلت تتحمل هذا الفارق الكبير فى الاسعار انطلاقاً من قناعتها بأن ذلك التزاما اخلاقيا تلتزم به تجاه مواطنيها .

وللاسف الشديد فعلى الرغم من ان هذا الاتجاه وهذا الالتزام من جانب الدولة  بتقديم الدعم الكامل للمواطنين يبدو نبيلاً وانسانياً الا انه فى حقيقة الأمر كان عاملاً اساسياً من عوامل تاخر عمليات التنمية المستدامة حيث كانت الدولة تضطر للاقتراض وبالتالى تزداد الديون وتتراكم الالتزامات المالية التى بالطبع تؤثر وبشكل كبير على اية خطط تنموية وظل الامر على هذا النحو من الضبابية الى ان تولى الزعيم والقائد الرئيس عبد الفتاح السيسى مقاليد الحكم واختار الطريق الصعب وهو اسلوب المكاشفة والمصارحة واتخذ الخطوة المهمة التى لم يجرؤ احدا من قبل على اتخاذها وهى اعادة النظر فى موضوع الدعم المقدم من خلال السلع الاساسية وغير الاساسية وهو ما اثار لغطاً كبيراً وفسره البعض على انه تراجع كبير من جانب الدولة تجاه مراطنيها بينما حقيقة الأمر ان هذا التوجه من جانب الدولة يستهدف فى المقام الأول تصويب الوضع الخاطئ ووصول الدعم الى مستحقيه بالفعل وتقنين وسائل وأساليب وصول الدعم الى الفئات الامثر احتياجاً بدلاً من حالة الانفلات التى كان عليها الدعم من قبل والتى ظلت لسنوات طويلة دون ان تستوقف احدا ودون ان تقترب منها اي حكومة من الحكومات المتعاقبة على مدى اكثر من ثلاثة عقود.

وحتى نضع ايدينا على هذا الموضوع الحيوى المهم من كافة جوانبه علينا ان نعرف أن الدعم هو شكل من أشكال المساعدات المالية أو الإعانات المقدمة إلى القطاعات المختلفة سواء كانت قطاع اقتصادي أو مؤسسة عامة أو حتى عمل تجاري أو أفراد وذلك بهدف تعزيز السياسات الاقتصادية والاجتماعية وبالتالى تحقيق الاستقرار فى المجتمع حتى ولو كان استقراراً شكلياً. وغالباً ما كان يتم ربط مصطلع "الدعم" بالدعم الحكومي، إلا أنه في بعض الأحيان يمكن ان يشتمل على دعم مقدم من المنظمات غير الحكومية إضافة إلى الدعم الضمني.

ويأتي هذا الدعم في أشكال مختلفة وباساليب عديدة فمنه الدعم المباشر مثل تقديم المنح النقدية والقروض التى كان يتم تقديمها بدون فوائد كما كان هناك ايضاً الدعم غير المباشر مثل الإعفاءات الضريبية والتأمين والقروض منخفضة الفائدة وشطب الاستهلاك.

والمعروف ان العمل بنظام الدعم  ليس جديدا. او مستحدثاً حيث بدأت سياسات الدعم الحكومي بالظهور في بداية القرن التاسع عشر من خلال تقديم الإعانات للقطاع الزراعي وتم تطويرها على نطاق واسع في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية خلال الحربين العالميتين بهدف حماية الإنتاج المحلي من الأغذية ولا تزال هذه السياسات تطبق في جميع أنحاء العالم إلى يومنا هذا علاوة على ذلك، يمكن أن تكون الإعانات واسعة أومحدودة قانونية أو غير قانونية مفيدة أو غير مفيدة للفئة المستهدفة ولكن من أشكالها الأكثر شيوعاً تلك التي تُقدّم للمنتج أو المستهلك.

وبشئ من التفصيل فإن الدعم الذى  يتعلق "بدعم المُنتِج" فالغاية منها ضمان أن يكون المنتج على مستوى عال من الجودة ويتمتع بسمعة طيبة وذلك من خلال دعم الأسعار في السوق أو تقديم دعم مباشر للمنتج أو مدفوعات لعوامل الإنتاج. أما الإعانات المقدمة للمستهلك فهي عادة تتمثل فى تخفيض أسعار السلع والخدمات وبالتالى تصبح السلعة فى متناول الجميع وبأسعار معقولة لا يشعر المواطن تجاهها بأى صعوبة فى الحصول عليها خاصة انها تتناسب ومستوى الدخل العام للفرد.

وعلى الرغم من نبل الهدف من مسألة تقديم الدولة للدعم الا أن الآثار الضارة الناجمة عن الإعانات السلبية متنوعة في طبيعتها فعلى صعيد الآثار المباشرة نجد هذه السياسات مكلفة جداً للحكومات نتيجة توجيه الموارد بعيداً عن الأولويات الأخرى مثل تقديم خدمات تستهدف الحفاظ على البيئة والتعليم والصحة والبنية التحتية  الى أن قررت الحكومة بالفعل القيام بتقنين الدعم ووقف نزيف الإقتراض وذلك لافساح المجال أمام القيام بتنفيذ العديد من المشروعات القومية الكبرى التى بكل تأكيد سوف تعود بالنفع على المجتمع ككل .. وعلى صعيد الآثار غير المباشرة للدعم فهي تتسبب في التدهور البيئي وذلك نتيجة الاستغلال المفرط للموارد ومسببات التلوث وعادة ما تميل نتيجة عدم التوزيع العادل للثروة لصالح القلة على حساب الأكثرية والأغنياء على حساب الفقراء. وبالتالى فإن ذلك يساهم وبشكل لافت للنظر في تقويض قرارات الاستثمار والحد من تحفيز الشركات من أجل أن تصبح أكثر كفاءة

لقد صنف صندوق النقد الدولى عدة دراسات حول الدول التى ألغت الدعم وقسمتها إلى تجارب ناجحة وفاشلة

ومن أهم ما جاء فى تلك الدراسات التى أعدها مختصون من خبراء الصندوق أن الحكومات التى تخطو خطوات جادة من اجل "فطام" شعبها عن الدعم الذى استمر عقوداً طويلة يجب أن تحظى بتأييد شعبى جارف لتجنب أية آثار سلبية قد تعوق  عملية التنمية التى تتم بشكل موازى.. كما اعتبر الصندوق أيضاً أن التجارب الناجحة عادة تضمنت إجراءات تمهيدية خففت من وطأة القرارات الصعبة لحماية الفئة الأكثر احتياجاً وفى بعض الأحيان ألغت الدعم أولاً عن سلع الطبقات الغنية مثل البنزين عالى الاوكتان، بينما جعلت رفع سعر السولار فى آخر قائمة المنتجات التى تم رفع الدعم عنها فى وقت يتهم فيها أبناء الطبقة الوسطى الدولة بأنها تجور على حقوقهم وبالتالى تتفشى ظاهرة الفقر .

وهذا الفقر الذى اعنيه بالقول هو مشكلة اجتماعية تجسد بشكل لافت للنظر عدم قدرة الإنسان على تحقيق الحد الأدنى من متطلباته واحتياجاته الأساسية اليومية، مثل الطعام والمسكن والملبس والرعاية الصحية وفرص التعليم فنجده لا يتمتع بالعدالة الاجتماعية وحق المشاركة وحرية الرأي، وتدني المستوى المعيشي و تدني مستويات التعليم والخدمات، وعدم توفر الخدمات الصحية مثل المياه الصالحة للشرب والنقية والغذاء والصرف الصحي،  وعدم وجود الحماية البيئية من الملوثات وانتشار الأمراض، مما يساهم في زيادة مشكلة الفقر وتفاقمها.

وهنا فإننى ارى أنه قد اصبح لزاما على الدولة اتخاذ كافة الاجراءات والقرارات التى من شأنها ضمان وصول الدعم لمستحقيه الحقيقيين بدلاً من تلك الحالة المستفزة التى كان يتم من خلالها تقديم الدعم للجميع سواء القادرين اوغير القادرين مما تسبب فى اهدار المال العام .بل تكبدت خزانة الدولة فوق طاقتها

فدائما وأبد الفساد يتفشي في وجود السعرين للسلعة الواحدة فكم بيع الدقيق المدعم في الأسواق لعمل التورتة والبتون ساليه كما أن التهريب بين المحافظات جزء كبير من الدعم للفساد والفاسدين وعلي الجانب الاخر كم تحملت الامة تحت زعم الدعم المليارات لدعم العربات الفارهة في البنزين ردحا من الزمان حينما كان يتم تقديم الدعم لسيارات السفارات والأغنياء واصحاب السيارت الفارهة وهو أمر يتنافي مع ابسط قواعد العدالة الاجتماعية وقد ظل هذا الوضع

الى ان تم اتخاذ تلك الجزمة من الاجراءات المتعلقة بالاصلاح الاقتصادى الذى طال انتظاره والذى بكل تأكيد سوف يكون له عظيم الاثر على كافة فئات المجتمع .

تابعنا على فيسبوك

تابعنا على تويتر