12:00 | 12 مايو 2017
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمود الشويخ
رئيس مجلس الأمناء والعضو المنتدب
محمد فودة

تحديد مفاهيم العقل والفكر والدين

الأحد 06/يناير/2019 - 03:13 م
الشورى
بقلم /هند جاد
طباعة

اولا العقل

هو اكبر منحة منحها الله للانسان وجلعها مناط التلكيف للعبودية، بينما الفكر هو احد مكتسبات هذا العقل وثمرة من ثماره. ويعرف العقل بتعريفات عديدة منها، ملكة الشخص الفكرية والإدراكية، بما يملكه العقل من القدرة على التخيل، التمييز، والتقدير، وهو مسؤول عن معالجة المشاعر والإنفعالات، مؤديًا إلى مواقف وأفعال. والعقل: يقال ايضا عن القوة المتهيئة لقبول العلم، ويقال للعلم الذي يستفيده الإنسان بتلك القوة عقل- كما جاء في مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهاني في باب العين.عن أبي جعفر قال: لما خلق الله العقل استنطقه ثمّ قال له: أقبل فأقبل، ثمّ قال له: أدبر فأدبر، ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحب إليَّ منك، ولا أكملتك إلا فيمن أحب، أما إني إياك آمر وإياك أنهي وإياك أُعاقب وإياك أُثيب- كما جاء في كتاب أصول الكافي، للشيخ ثقة الإسلام الكليني، ج1 كتاب العقل والجهل.

وعلي ذلك فان العقل هو جزء من الشرع، وعليه فان من لا عقل كاملا له لا شرع له، ومن لا شرع كاملا له كمن لا عقل له.

العقل في الكتاب والسنة يخاطب القرآن الكريم الإنسان بوصفه كائناً عاقلاً، متميزاً عن غيره بهذه الصفة التي من خلالها يفرق بين الخير والشر، والحق والباطل، ويعرف ما يضره وما ينفعه عن وظيفته، وعمله، من مثل (تعقلون، يعقلون، عقلوه، تعقل...) وقد بلغت تسعة وأربعين موضعاً ومن تلك الآيات: ﴿ومن آياته يريكم البرق خوفاً وطمعاً وينزل من السماء ماءً فيحيي به الأرض بعد موتها.إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون﴾، ﴿كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون﴾، ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾، ﴿وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير﴾، وهناك آيات أخرى لم تذكر مشتقات العقل، وإنّما ركزت على وظائف العقل، كالتذكير، والتفكير، والنظر، والفقه، والتدبر، ونحوها، من مثل قوله تعالى: ﴿.. قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون﴾، وقوله: ﴿.. انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون﴾، وقوله: ﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها﴾ فالآيات هذه وغيرها تدعو دائماً إلى التعقل، أي توظيف العقل، والاستفادة منه فيما يفيد صاحبه، ولم يتوجه القرآن الكريم إلى بيان معنى العقل أو ماهيته، وإنّما كان الخطاب القرآني منصباً على توضيح أهمية العقل في كونه وظيفة تساعد الإنسان على التذكر، والتفكير، والنظر، والتدبر، ثم الخروج بنتيجة واحدة، وهي الإيمان بالله الواحد. وورد في التفسير أن كلمة «القلب» في القرآن الكريم لها ارتباط بالعقل، كما في قوله تعالى: ﴿أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾ (20)، وقوله: ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد﴾ (21). فقد فسر ابن عباس «القلب» في الآية الثانية بالعقل: وذلك لأن العقل قوة من قوى القلب وخادم من خدامه، وبه قال الليث: لأنه يعقل بالقلب فكنى عنه، وكذا قال مجاهد. والقلب ليس الجهاز المعروف لضخ الدم، إنّما هو اللطيفة المدركة التي وضعها الله في الإنسان، لتكون موضع أعمق الأفكار، وأصدقها، وأوثقها.

وورد في القرآن الكريم مرادفات للعقل: كالحجْر، والفؤاد والنُهى، واللبّ، والحلم، وأسند إليها شيء من وظائف التعقل، من النظر والتفكير والذكر والتذكير، ونحوها، مما يدل على أن من اتصف بها قد اكتمل عنده العقل فأدرك حقيقة وجوده في هذا الدنيا، وفهم طبيعتها.

ثانيا الفكر: وتعدد تعريفاته لكن يمكن اختصارهذه التعريفات في " اعمال العقل وامعان النظر العقلي في مجريات حياتنا اليومية ومشكلاتنا واهدافنا وطموحاتنا.

ثالثا الدين: وكما جاء في لسان العرب، فانه يطلق علي معاني عديدة منها الطريقة والمذهب والملة والعادة والشأن، ويرى بعض العلماء، أن الدين هو الإيمان والعبادة سواء كانت عبادة الهية او وثنية. وقد اهتمت اصحاب االديانات السماوية وغير السماوية باعمال العقل والفكر والتفكر من خلال عبادة التأمل في خلق الكون من سماء وارض وكواكب ونجوم وبحار وانهار وخيرات البحر والبر، والدقة المتناهية في اختلاف الليل والنهار وفصول العام وارتباطها بمواسم الزراعة والحصاد وغيرها.

تكامل الادوار اذا ما نظرنا الي حياة كل واحد منا، لوجدنا ان كل منا لديه عقل هبة من الخالق، ينميه بالثقافات والمعارف والعلوم فيصبح اكثر قدرة على التفكر والتفكير، وكما يحتاج الانسان الي العقل، فانه يحتاح ايضا للدين ليحقق له سلاما داخليا يهديه في ظلمات الافكار التي يموج به عالمنا من شطط وانحرافات وغلو، ومن ثم فان احتاج الي طريق الوسطية التي تحقق له العدل والعدالة وتحفظه من الجنوح المضر به وبمجتمعه.

وفي تقديري، ان الاشكالية التي نشأت بين العقل والدين تبدو جدلية وغير مقبولة لان اساس الاديان السماوية قائم علي اعمال العقل في البحث عن الخالق وادراك تجليات قدرته في الكون ومن ثم استحقاقه للعبودية والطاعة والالتزام بشرائعه واهمها بعد التوحيد اقامة العدل وتحقيق المساواة بين البشر، والحث عن العفو والتسامح بين البشر والاحسان اليهم والجنوح للسلام ووقف الحروب وحفظ دماء الابرياء.

من اين جاء التطرف اذن؟ الواقع الديني والثقافي والفكر الذي تعيشه المجتمعات العالمية المعاصرة يشهد تنامي التطرف بشتى أشكاله وألونه، وارتباط التطرف الديني والعنف السياسي بظروف محلية واقليمية تغلب الغلو على الوسطية والاعتدال، وتعلو بمنطق الصراع والتعصب على حساب التسامح، وتنتصر للفوضي علي حساب الاستقرار. وللأسف فان عالمنا العربي اليوم صار ممزقا بفوضى فكرية ودينية، وتيارين كل واحد منهما يناهض، اولهما نزوع مجتمعاتنا لاتجاه يحاول فرض وجوده الديني ومن ثم السياسي بالقوة وبالغلو وبرفض نظريات  التأويل والتفسير للنص القرآني "رغم ان القرآن صالح للتأويل في كل زمان ومكان"، وهذه النزعة ترفض اعمال العقل وتفرض علينا تقليد السلف في فهمهم للدين وتصوراتهم للحياة. - وفي المقابل، فاننا نجد اصحاب التيار العقلاني يدعون لاعمال العقل المجرد في كل صغيرة وكبيرة علي حساب معطيات الدين والروحية بصفة خاصة والتي لا تتحقق دون امتلاك بصيرة القلوب.  وبين كلا التيارين تختفي الوسطية التي هي بساط الحكمة والعدل والتوزان في الكون كله، كما دلت المعاني اللغوية للفظة الوسطية بدلالات الوسط بين الطرفين والنصف والفضل والخيرية.  ومن اهمية هذا المصطلح في محاربة الغلو والتطرف، بروزه في القرآن الكريم للتعبير عن التوزان والاستقرار والاستقامة والعدل كما في قوله تعالى: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) البقرة، فالأمة الوسط تعني العدل. وفي تقديري، ان ابتعاد شعوبنا العربية عن الوسطية كانت ولا تزال سببا فيما تشهده بلادنا من تطرف ديني يهمل العقل وحق الانسان في استخدام عقله في الوصول الي الحقيقة والعلم، وبين غلو فكر يمهل الدين ويطلق العنان للانسان للعيش بلا دين مما ادي الي زيادة معدلات الالحاد في العالم العربي وبروز الخواء الروحي. و في تقديري أيضا، ان الوسطية يجب ان يكون منهجا شاملا لنا في الحياة لفهم الكون وفهم الدين معا ، ولحل مشكلاتنا اليومية بمعزل عن اية تعصب لفكرة دون غيرها .

وفي تقديري ايضا ان الغلو الديني الظاهر في مجتمعاتنا يعد نتاج حقيقي للبعد عن استخدام منهج الوسطية في فهم النصوص الدينية. فعلى اختيار الخالق العظيم للأمة الاسلامية لكي تكون أمة وسطا فهو اختيار يقوم على ما وفره الخالق العظيم لهذه الامة من خيرية الوسطية لتقيم العدل في الارض وتنشر السلام بين البشر. ولكن هذه الوسطية لن تحقق اهدافها المرجوه من التراحم والعدل والمساواة بدون بذل اقصي جهد من العمل الدوؤب في اقامة الحضارة ، وفي الارتقاء بالعلوم العلم وتنمية الثقافة واالتواصل بين الحضارات والشعوب، والتفاعل الانساني الخلاق من اجل الحفاظ علي انسانية الانسان وحفظ حقوقه وما ابرزها حق اعمال العقل وتنمية الفكر والتفكير.

فالوسطية التي نرجوها ونفهمها تدخل في كل مجريات حياتنا اليومية، باعتبارها التوازن المطلوب لتحقيق السلام والامن للفرد والمجتمع، وعلى ذلك فإن الوسطية تحقق لنا التوازن بين الروح والجسد، وبين الدنيا والآخرة، وبين الدين والدولة، وبين العقل والنقل وبين الحق والقوة وبين الاجتهاد والتلقي ... وغيرها.

 تجليات للوسطية بهذا المعني:

 فان للوسطية تجليات عديدة في العقائد والعبادة والأخلاق والنظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وفي السلوك الفردي والجماعي. فالوسطية في العقيدة الاسلامية وللعلاقات البشرية تقوم علي ميزان العدل كما جاء في قوله تعالي: "ألا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان" . كما تتجلي الوسطية في العبادة، كما في قول الله تعالي: ]فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ[(112) قال ابن كثير: أي جهدكم وطاقتكم. كما نهي النبي صلى الله عليه وسلم ، عن الغلو في العبادة. وتبرز الوسطية في الشريعة والاحكام في التشريع الإسلامي، من خلال التوازن بين الثوابت والمتغيرات وبين الأحكام القطعية والأحكام الظنية وبين الأصول والفروع. ويقوم منهج الوسطية على التيسيير في الفروع، وهو منهج نبوي قائم على مبدأ «ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما» "يسروا ولا تعسروا ."

وتقوم الوسطية في العلاقة مع الاخرين من منطلق تحقيق العدل والمساواة في الحقوق والوجبات. ولقد تجلى هذا المعنى منذ اللحظة الأولى لتأسيس الدولة الإسلامية في المدينة، حيث قام النبي صلى الله عليه وسلم، بكتابة الصحيفة التي تنظم العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين من سكان المدينة التي عرفت باسم صحيفة المدينة.

مطلب عالمي

 أظن ان الغلو الذي يحكم العلاقات الدولية والتفاوت الكبير بين مقدرات الدول الكبري والدول النامية يعكس غلو وتطرفا سياسيا كونيا تسبب في اندلاع حروب عالمية وافتقار امم وشعوب وتدمير شعوب أخرى. وكذلك سيطرة الرأسمالية العالمية علي مقدرات الاقتصاد العالمية اصاب شعوب الالم بكوارث من الغلاء لم تعد بمقدور الشعوب تحملها فتنتفض علي حكامها محدثة فوضي وعدم استقرار في هذه البلاد. هذا يعني ان أزمات العالم المعاصر تحتاج الي اعتماد منهج الوسطية في شتي أمور حياتنا السياسية والامنية والاقتصادية والفكرية. واظن ان عالم اليوم مطالب باعلاء مبادئ الوسطية وتفعيل قيمها في تحقيق التوازن في الكون ونشر قيم العدل والمساواة في مستوي العلاقات الدولية وعلي مستوي الشعوب والمجتمعات والافراد".

تابعنا على فيسبوك

تابعنا على تويتر